Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

الزكاة.. الأخت المهجورة للصلاة

كلنا نحفظ الحديث الجامع عن أركان الإسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا».

في هذا الحديث نجد ترتيب الأركان كالتالي:

1-         شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

2-         إقامة الصلاة.

3-         إيتاء الزكاة.

4-         صوم رمضان.

5-         حج البيت (لمن استطاع إليه سبيلًا).

ولم يأت هذا الترتيب اعتباطًا، بل إنه يمثل — بكل دقة — أهمية كل ركن، ودرجة أولويته بين أركان الإسلام.

فالشهادتان هما أولى هذه الأركان، ليس فحسب لأنهما "بوابة الإسلام" التي يكون على كل مسلم أن يجتازها قبل أن يدخل حظيرة الإسلام ويُعد مسلمًا، ولكن الأهم من هذا أنهما يرمزان إلى موضوع الإيمان الإسلامي، فالمسلم هو الذي يؤمن بالله وبرسوله، وهذا الإيمان هو محور الرحى في العقائد والأديان قاطبة.

والإيمان الإسلامي يربط ما بين خلق الكون وخلق الإنسان، ويؤكد أن عالم الكون كعالم الإنسان، وأن الله تعالى خلقه لحكمة، وسيَّره بسنن خارقة في الشمس والنجوم والماء والنار، والطيور والأشجار أخوات له يوجَّه لها الخطاب، فإن كل مسلم يؤمن أنه ما دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم مثله، وأن كل ما في السموات والأرض والطير صافَّات يصلي ويسبح بحمد الله {كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه}. وهذه النظرة الحية الشمولية تجمع ما بين الإنسان والكون في منظومة هائلة تسير كلها إلى مستقر لها، طبقًا للقوانين التي وضعها الله من شموس وأقمار، وجبال وأنهار، وحيوان وأشجار مسخرة لخدمة الإنسان، والإنسان يفيد بعقله وفكره وضميره من هذا كله؛ ليظفر برضوان الله، ويعود في النهاية إلى "الجنة" التي وعدها الله للمتقين.

هذا هو مدلول الإيمان بالله كما يعرضه لنا القرآن الكريم، ولو فهم المسلمون القرآن لكان يجب أن يكونوا "هواة" جيولوجيا وفلك وطبيعة وحيوان واجتماع؛ لأن هذه هي الموضوعات التي تملأ دفتي المصحف، وكل الفرق بين العالم المسلم والعالم "الدنيوي"، أن العالم المسلم يدخل هذه المجالات بوعي وعاطفة وتقوى، ويستشعر — وهو ينشد الحقيقة — العظة والعبرة والحكمة، ويهتف: «سبحانك ما خلقت هذا باطلًا!»، وتمنعه أخلاقيات الإسلام وتوجيهاته من أن يعربد في الطبيعة ومواردها، أو يعيث فيها فسادًا وتلويثًا.

والإيمان بالله يأتي في الشهادة بصيغة الحصر والتوحيد: «لا إله إلا الله»، وبذلك يستبعد كل صور الشرك والتجسيد التي كانت البشرية تتخبط فيها، ويقدم صورة بسيطة مجردة لله تتقبلها العامة بفطرتها السليمة، ولا تستطيع الخاصة أن ترفضها بعقليتها المتشككة.

أما القسم الثاني: «أشهد أن محمدًا رسول الله»، فهو يمثل القسم الثاني من الإيمان الإسلامي، وهو ما بالمجتمع. إن الإيمان بالله يمثل — كما رأينا — الإيمان بالقيم والمثل والمعنويات والمجردات، ويتصل بالوجود الإنساني والكون لينتهي إلى الله. أما الإيمان بالرسول، فهو رمز إلى الإنسان كفرد في المجتمع.

 إذ إن الإيمان بالرسول يتضمن ضرورة الإيمان بسلوك الرسول وما دعا إليه أو وضعه بالفعل من نظم وسياسات، فإنما أرسل الله الرسل ليطبقوا عمليًّا رسالة الأديان.

والمحصلة أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله تبلور الإيمان الإسلامي: وجود الإنسان ككائن يعايش أجرام الكون وقواه، وكفرد يحيا في مجتمع له قضاياه.

 مدلول الصلاة (الضمير وإصلاح الفرد)

بعد هذا المدخل العام، نجد ركنًا يوجب "عملاً" بعد أن أوجد "الإيمان"، والإيمان الحق يتبعه العمل، ولكن العمل عام، ولا بد عند تعيين الأركان من تحديد الأعمال التي تعد أركانًا؛ ومن هنا كان الركن الثاني بعد الشهادتين هو إقامة الصلاة.

وكل الأديان تُعنى — أولًا وقبل كل شيء — بإصلاح الفرد، وتهذيب القلب، وتنقية الضمير، وأي دين لا يعني بهذا لا يكون دينًا؛ لأن إصلاح الأفراد عن طريق القلوب والضمائر، وتهذيب النفوس بالعبادات التي تعد الصلاة قاعدتها، فكل واحد يرفض تهذيب النفس طبقًا للصورة التي وضعها الإسلام، أو أن يُخضع قلبه وهواه لما جاء به الإسلام، لا يعد مسلمًا حقًّا، أو — على الأقل — يخل إخلالًا جسيمًا بما ينبغي على المسلم.

والصلاة — والحمد لله — قد ظفرت من المسلمين بالعناية، وألموا بكل حركة وسكنة فيها، بدءًا من النية والوضوء والسعي إلى المساجد حتى انتهاء الصلاة.

والصلاة قربى إلى الله، وهي عمل يؤديه الإنسان امتثالًا لله، واعترافًا بفضله، والتماسًا لهداه، وشكرًا على نعمته، ومثل هذه كلها تنهدم وتندثر، بل لا يمكن أن تُتصور إذا أُديت بحكم قانون العقوبات وسيف الإكراه.

مدلول الزكاة (المدخل للتكامل الاقتصادي)

والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام.

تأتي دائمًا بعد الصلاة أو تقترن بها، وهذا واضح في الحديث، ومن الآيات العديدة التي حث فيها القرآن على الصلاة.

والذي نريد أن نثبته هنا هو أنه لا يكاد يكون في القرآن حث على الصلاة دون قرنها بالزكاة أو الإنفاق.

واقرأ إذا شئت:

1-         {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 83].

2-         {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 110].

3-         {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: 77].

 من هذا العرض، نجد أن القرآن يقرن الزكاة بالصلاة؛ كأن الصلاة والزكاة توءمتان، وفي الآيات القليلة التي لم تذكرها صراحة، حل محلها الإنفاق؛ وهو ما يعطي معنى الزكاة.

وإنما قرن القرآن الصلاة بالزكاة؛ لأن الأولى خاصة بالفرد، والثانية خاصة بالمجتمع، ونظرية الإسلام تقوم على العناية بالفرد والمجتمع معًا، وعدم إهمال أحدهما، ولو لحساب الآخر، فلن يقوم مجتمع قوي على فرد ضعيف، ولن يوجد الفرد القوي في مجتمع ضعيف؛ لأن كلًّا منهما يؤثر على الآخر.

وللزكاة اسم أعم هو "الصدقات"، وقد كان بهذا الاسم الأخير أن عدَّد القرآن مصارف الزكاة الثمانية على وجه الحصر، وورد الحث على الصدقة في مناسبات عديدة تُبرز أهميتها ومنزلتها:

  • {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} [النساء: 114].
  • {أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 104].
  • {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة: 264].
  • {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276].

وكما أن اسم الصدقة يماثل الزكاة في المعنى، فإنه أيضًا يماثله في المبنى، فالزكاة من الزكاء بمعني النماء، والصدق من الصدقة ثمرة لهذه الصفة النبيلة الصدق والتصديق بالرسالة.

هذه هي منزلة الزكاة في القرآن. أما الحديث، فقد أوضح أهميتها حديث: «بني الإسلام على خمس»، الذي وضعها بعد الصلاة مباشرة، كما يصورها حديث معاذ عندما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك، فأعلمهم أن الله عز وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإذا أطاعوك بذلك، فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم؛ تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فليس بينها وبين الله عز وجل حجاب».

إذا كانت الزكاة بمقتضى القرآن والحديث هي الركن الثالث للإسلام، وإذا كانت تأتي مقترنة بالأصل الثاني المقدس الصلاة، وتعد الأخت التوءم لها، فأين نضع الزكاة اليوم؟

إن الزكاة تكاد تكون مجهولة مهجورة ضائعة مفقودة.

حتى في الكتابات التي لا تكلف شيئـًا حرمت حقها المشروع والواجب من الاهتمام،

كما كتب عن الصلاة، وعن التصوف، وعن الحديث، وما أكثر الضجة والهيلمان والاهتمام والاحتفال بالصوم والحج! وما أكثر الجهل والتنكر والإهمال للزكاة!

كثير من الذين لا يصلون يصومون، وكثير من الذين لا يصومون يحجون، ويجعلون الحج تكفيرًا عن الذنوب، وختامًا لعام من المآثم والمعاصي، ثم هناك "هواة" الحج الذين يحجون مرارًا وتكرارًا، ويذهبون "عمرة" كل فرصة.

أما الزكاة فإنها مهجورة منسية ..

عجبت لمعشرٍ صلُّوا وصاموا       ظواهر خشــــــية وتقى كذابَا

وتلقاهم حيـــــــال المال صمًّا       إذا داعي الزكـــــــاة بهم أهابَا

أكلٌّ في كتـــــــــــــاب الله إلَّا        زكاة المال ليســت فيه بابَا (*)

وهذا الموجز لإيضاح السبب الذي من أجله عوقبت الزكاة بهذا الإهمال والتجاهل، ولكن قد تكفي الإشارة إلى أن هذا في إجماله يعود إلى عدم فهم المسلمين لحقيقة دينهم، وأنهم نظروا طوال الجزء الأعظم من تاريخهم إلى الإسلام كدين عبادة، بعد تراخي الأخذ بالنظم الإسلامية في مجال الاقتصاد والتشريع، ونمو الفهم العبادي على حساب الجهل بالإسلام.

كل هذا والمساجد عامرة بالمصلين، والآذان يرتفع خمس مرات في اليوم، ويأتي رمضان "بزفة" من المظاهرة، وإذا حل موسم الحج أقيمت الاحتفالات حتى عودة الحجاج.

 وبالنسبة للزكاة، فهناك تراخٍ في القيام بها أـو إهمالها، فالزكاة ببساطة تعني اقتطاع جزء معلوم من المال وإعطاءه لفقير مستحق له، وهو أمر قلَّما تسمح به النفوس المطبوعة على الشح، ولعل البعض قد تصور أنه عندما يقدم صدقة أو زكاة الفطر، فإن ذلك يغني عن الزكاة الأصلية.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صدرت هذه الرسالة كإحدى الرسائل الثقافية للاتحاد الإسلامي الدولي للعمل في سنة 1982م، وقد تطورت النظرة إليها في "الإحياء الإسلامي" عما كانت عليه في الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل منذ ربع قرن، والمذكور هنا مختصر لهذا المقال.

(*) هذا البيت الأخير ليس من القصيدة الأولى؛ فالأبيات الأولى من قصيدة "ذكرى المولد"، والبيت الأخير من قصيدة "بعد المنفى"، وهما معًا لأمير الشعراء أحمد شوقي.