Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

لماذا لم تقتل الملائكة في غزوة بدر أحدًا؟ (2/1)

 أمد الله المؤمنين بالملائكة في غزوة بدر الكبرى، التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة، أمدهم بألف من الملائكة، على أقل تقدير، قال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، وقيل: بل أمدهم بثلاثة آلاف، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 123، 124]. والمفاجأة أن روايات السنة التي حاول البعض تصحيحها[1] لم تذكر غير رجل واحد فقط من المشركين مات مقتولًا على يد ملك من الملائكة، ولا شأن لنا بالمكذوب.

ألم يكن يكفي ملك واحد لحسم المعركة

والسؤال الملح: لماذا لم تحصد الملائكة رءوس المشركين حصدًا، أو –على الأقل-لماذا لم تحصد رءوس من سبق في علم الله أنه سيموت على الكفر؟ بل ولماذا كان الإمداد بهذا العدد الهائل من الملائكة، الذي يوازي عدد المشركين في المعركة، فقد كان عدد المشركين ألف رجل، وكان عدد الملائكة ألف ملك كريم، على أقل التقديرات، فضلًا عن عدد المسلمين؛ وهو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا؟ ألم يكن يكفي ملك واحد لحسم المعركة لصالح المسلمين؟

 

تتجلى الإجابة عن هذا السؤال إذا عرفنا سبب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت من الزمان، سبب إيجاده في عصر فراعين هذه الأمة: أبي جهل، وأبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، وصناديد الكفر، ورءوس الشرك، فلم يولد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت صدفة، ولا كان وجود هؤلاء الصناديد في وقته صلى الله عليه وسلم صدفة.

 بل كان أمرًا مقدرًا من عند الله تعالى حتى يظهر جهاد النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل هذه الدعوة، فيدخله الله بذلك جنته؛ ذلك أن الله لا يعطي الجنة مجانًا لأحد، ولو كان هذا الأحد رسول الله نفسه صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72]، فالعمل سبب للمغفرة التي يتغمد الله بها عبده فيدخله الجنة.

 فقد كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن يجمد الدماء في عروق المشركين يوم بدر دون حاجة إلى الملائكة أصلًا، كما كان قادًرا سبحانه أن يلقي الرعب في قلوبهم فيرجعوا إلى مكة فارين دون مواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل، كان سبحانه قادرًا على أن يزيِّن لعقول المشركين رأي أبي سفيان وقد أمرهم بالرجوع إلى مكة بعدما نجا بقافلته، التي ما خرجوا إلا للذود عنها. وقد كان رأي أبي سفيان وجيهًا؛ ولذلك رجع من رجع من المشركين وإن كانوا قلة.

  بل كان الله قادرًا أن يطبع الناس كلهم مسلمين يوم خلقهم، فلا يوجد من بينهم كافر متمرد يعترض دعوة الرسل أو يقتل المصلحين من البشر، قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99]، ولكن إن فعل الله ذلك، فأي جهد يبقى للأنبياء والمرسلين؟ وعلام يدخل الجنة الدعاة والمصلحون؟

 الجهاد ليس من مهام الملائكة

إن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورد عادية المعتدين، والأخذ على يد المفسدين ليس من مهمة الملائكة، خاصة بعد إرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل هذه مهمة البشر من المؤمنين الذين يريدون ما عند الله من جنان، فلئن قال عبد المطلب يوم جاءه أبرهة بجيشه لهدم الكعبة: «للبيت رب يحميه»، فإن رب البيت وزَّع ما شاء من المهام على من شاء من عباده، فوقعت مهمة الذود عن حياض الدين، والدفاع عن المظلومين والمضطهدين، واسترجاع الحقوق من الفراعين، ودحر الطغاة من المشركين والملحدين والمستبدين، وقعت هذه المهمة من نصيب البشر أتباع هذه الرسالة الخاتمة، وفي طليعتهم هذه الفئة المؤمنة مع النبي صلى الله عليه وسلم بقيادته، وكان للملائكة مهام أخرى.[2]

 

إنها حقيقة لا تقبل المراء، ولا يعتورها شك ولا جدال، ألقى بها الله في كتابه واضحة وضوح الشمس للعيان، لا يتوقف فهمها على علم العلماء ولا فقه الفقهاء، يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214]، ويقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].

 يقول الشيخ رشيد رضا مبينًا هذا المعنى في تفسير هذه الآيات: «أم حسبتم كما يحسب أهل الغرور أن تدخلوا الجنة وأنتم إلى الآن لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن! والجنة إنما تنال بهما، ولا سبيل إلى دخولها بدونهما».

 

 ويقول الشيخ محمد عبده: «ربما يقول قائل: إن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة، مع أن الجهاد فرض كفاية، ونقول: نعم، إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق، ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي — وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد — ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر».

 وذكر من أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته، لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلى به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق، وقال: «إن لله في كل نعمة عليك وللناس عليك حقًّا، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس، فلا بد من جهادها ليسهل عليها أداؤها، وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يثبت فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم؛ من إقامة سنة، أو مقاومة بدعة، أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد. وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم، وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراسًا من العامة».

 

 

[1] - سيأتي تخريج هذه الرواية وبيان ضعفها.

[2] - راجع مهام الملائكة ووظائفهم في كتب العقيدة.