Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

هدي الإسلام في صوم الأطفال

عن الرُّبيِّع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غَداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: «مَن كان أصبح صائمًا فليُتمَّ صومه، ومَن كان أصبح مفطرًا فليُتمَّ بقية يومه»، فكنَّا بعد ذلك نَصومُه ونُصوِّمُه صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعب من العِهْن، فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار.[رواه الشيخان].

 في الحديث دلالة واضحة على أن الصحابة كان يعوِّدون أولادهم الصغار على الصيام، وكانوا يساعدونهم على تحمُّله ونسيان الجوع، والانشغال عن طلب الطعام، فكان الصبي إذا قارب إحساسه على الجوع يشغلونه بلعب الأطفال، وكانت يومها — كما جاء في هذا الحديث — تُصنع من الصُّوف.

 

وروى البخاري مُعَلَّقًا: وقال عمر لنَشوَان رمضان: وَيْلك وصبياننا صيام! وضربه.

 

وهذا الأثر يدل على أن صوم الصبيان كان أمرًا معتادًا بين المسلمين، إلى الحد الذي عيَّر به عمر ذلك السَّكْران، فقال له موبِّخًا ومُعيِّرًا: سكران في رمضان، والصبيان صائمون!

ليس واجبًا

قال ابن بطال — رحمه الله، أحدُ شرَّاح صحيح البخاري: (أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادة والفرائض إلا عند البلوغ، ولكن أكثر العلماء استحسنوا تدريب الصبيان على العبادات؛ رجاء البركة، وأنَّ من فعل ذلك منهم مأجور، ولأنهم باعتيادهم عليها تسهل عليهم إذا لزمتهم).

فتدريب الأطفال، الذين لم يصلوا إلى سن البلوغ، ليس واجبًا، بمعنى أنه لا يعاقبهم الله على تركه، ولكنه مستحبٌّ لما فيه من الفوائد.

 وأبرز هذه الفوائد: تمرينه وتدريبه على الصيام، فالصيام فيه مشقة، ويحتاج إلى صبر وتحمُّل، خاصة في أوقات الصيف الشديدة الحر، ومَن لم يتمرَّس على الصيام في صغره، فالمتصور أنه يصعب عليه في كبره، والإنسان إذا لم يتعوَّد على شيء، فإنه لا يتمكن من الحكم عليه بشكل دقيق، فلربما أوقعه الجهل به في التهوين أو التهويل.

 

وأذكر أنني ركبت سيارة عقيب صلاة الفجر في أحد أيام شهر رمضان، فوجدت السائق يحتسي كوبًا من النسكافيه! فهذا شخص لم يَخُض التجربة، ولم يعطِ نفسه فرصة ليختبر نفسه هل يقوى على الصيام أم لا، ولكنه — لأنه لم يَعتَدْ على الصيام — ظنَّ أنه لن يقوى على الصيام، فأخذ قرارًا بالفطر، وهكذا وقع فريسة التهويل!

 

وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار:  أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحتُ صائما فنسيتُ فطعمتُ؟

 قال: لا بأس.

 قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت؟

قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك.

 ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت؟

فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعوَّد الصيام.

فانظر؛ لأنه لم يتعود الصيام، نسي ثلاث مرار في يوم واحد!

  مذاهب العلماء في تصويم الصبي:

قال باستحباب أمر الصبيان بالصوم للتمرين عليه إذا أطاقوه جماعة من السلف، منهم: ابن سيرين، والزهري، والشافعي، وغيرهم.

 واختلف أصحاب الشافعي في تحديد السن التي يؤمر الصبي عندها بالصيام، فقيل: سبع سنين، وقيل: عشر. وبه قال أحمد.

 وقيل: اثنتا عشرة سنة. وبه قال إسحاق.

 وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حُمل على الصوم.

 والمشهور عن المالكية أن الصوم لا يُشرع في حق الصبيان، والحديث يردُّ عليهم؛ لأنه يبعد كل البعد ألَّا يطَّلع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك.

ومذهب الجمهور أنه لا يجب الصوم على من دون البلوغ، وذكر الهادي في الأحكام أنه يجب على الصبي الصوم بالإطاقة لصيام ثلاثة أيام، واحتج على ذلك بما رواه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام، وجب عليه صيام الشهر كله». لكن هذا الحديث ضعيف جدًّا لا يؤخذ منه حكم.

 

ما يؤخذ من الحديث:

1-حرص الآباء والأمهات على غرس القيم الدينية في نفوس أولادهم، وأنه يُشرع تدريبهم على شعائر وشرائع الإسلام حسب القدرة.

 

2-عدم إجبار الصغار على الصيام، ولكنه تدريب وتوجيه وإرشاد، فيبدأ ولي الصبي بترغيبه في الصيام، ويهيئ له طعام السحور ليتقوَّى على الصيام، ثم يُزيل من أمامه ما يُذكِّره بالأكل، فيُخفي بقايا الطعام والشراب؛ لأن الولد ربما تحرك نحوهما بطريقة تلقائية دون إحساس بالجوع، فإذا جئتَ تمنعه من الطعام والشراب ساعتها، فسيشعر بمشقة الحرمان والمنع.

 

3-يُلاحظ في الحديث أن هؤلاء الصبيان الذين كان يصوِّمهم الصحابة، كانوا ممن يحتملون الصيام ويقوون عليه، بدليل أن اللُّعبة كانت تُسكتهم وتنسيهم الجوع. وهذا يكون مع الجوع المُحتمل، لكن إذا وصل الصبي إلى الحد الذي لا يسكن جوعه مع اللُّعبة، ولا يُنسيه الانشغال ألم الجوع والعطش، فليس هذا هو الصبي الذي كان يصوِّمه الصحابة.

 

4-لم يذكر الحديث أنهم كانوا يضربونهم، أو يحبسونهم، أو يحرمونهم من الطعام قهرًا إذا جاعوا، ولكن ذكَر فقط أنهم كانوا يستخدمون وسيلة للإلهاء، وهي درجة تناسب درجة مشروعية الصيام في حقِّهم؛ وهي عدم الوجوب؛ لذا فالاقتداء بمنهج الصحابة في تصويم أولادهم يقتضي الاقتداء بمنهجهم في كيفية التدريب، وهو الاقتصار على وسيلة الإلهاء عند الشعور بالجوع والعطش، وأن الانتقال من هذه الوسيلة إلى وسائل أخرى؛ كالضرب والحبس ومنع الأكل قهرًا، ليس من هدي الصحابة، وهو تزيُّد في شرع الله لم يأتِ ما يُبيحه.

 

5-من حق الصبي أن يعيش طفولته. وقد شاء الله أن تكون هذه المرحلة بلا تكليف، فلتكن كذلك، ولكن مع التدريب والتمرين، كما جاء عن الصحابة، بالشكل الذي لا يتحوَّل معه التمرين إلى تكليف وكأنه مثل الكبار البالغين.