Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

لماذا حرم الله الربا؟ (3/2)

لكي يتبين لنا كيف تؤدي الفائدة إلى تضاعُف المديونية، دَعُونَا نبدأ بالمثال الفَرضي التالي: لنفرض أن هناك خمسة من الأصدقاء قرروا أن يهاجروا إلى جزيرة نائية، وإقامة قرية صغيرة بها، سيعمل كلٌّ منهم في حرفة تناسبه؛ زراعة أو احتطاب أو خِبازة أو نجارة أو رعي، مثلًا.
 
 بعد فترة يسيرة، قرر صديق سادس — لا يُحسن أيًّا من هذه المهن، لكنه يملك كمية كبيرة من الدنانير الذهبية — أن يصحبهم برهة من الزمن.
 
 حينذاك، رأى كلُّ واحد منهم أنه بحاجة إلى شيء من النقود لكي يسهُل عليه تداول إنتاجه مع أقرانه، فاقترض كلٌّ منهم — على حِدَةٍ — مائة دينار من صاحب الذهب.
 
 لكن هذا الأخير لم يقبل أن يقرضهم إلا بفائدة، فاشترط على كلٍّ منهم فائدة قدرها 8%، بحيث يسدد كلٌّ منهم ما عليه من الدين آخر العام، ثم يقترض حينئذٍ ما يحتاج إليه من النقود للعام الذي يليه.
 
الفائدة البسيطة تؤدي إلى هرم من الديون
 
 قد تبدو الأمور طبيعية إلى هذا الحد، لكن حقيقة الأمر أن شرط المرابي ممتنع التحقيق. لماذا؟ لأن مجموع الدنانير القابلة للتداول في القرية في العام الأول لا يتجاوز خمسمائة دينار؛ هي مجموع ما أقرضه المرابي لكلٍّ منهم.
 
 لكن في آخر العام يجب على كلٍّ منهم أن يسدد 108 دنانير؛ أي يجب أن يعود إلى المرابي مبلغ 540 دينارًا. وهذا مستحيل؛ لأن مجموع الدنانير لا يتجاوز 500، كما تقدَّم. أي إن المرابي يريد من أهل القرية 40 دينارًا يعجزون عن دفعها.
 
ما الذي سيحصل إذن؟
 
 سيحصل أن بعض هؤلاء المقترضين لن يكون بإمكانه سداد أصل الدين مع الفائدة المطلوبة، وإنما سيسدد بعضَ الدين؛ إذ لكي يتمكن ثلاثة منهم مثلًا من سداد الأصل مع الفائدة، فالمبلغ الذي سيعجز عنه الاثنان الباقيان هو مجموع الفائدة التي دفعها الثلاثة؛ وذلك لأن مجموع ما يسدد من القروض لا بد أن يقف عند 500؛ لأن هذا هو مجموع الدنانير التي بأيديهم، وليس في القرية غيرها أصلًا.
 
 فإذا تمكن ثلاثة من دفع 108 (المجموع = 324)، فلن يتبقى من الخمسمائة سوى 500 - 324 = 176 دينارًا، وإذا افترضنا أن الاثنين الآخرينِ تساويا في توليد الدخل، فسيكون ما يسدده كلٌّ منهما هو النصف = 176/2 = 88. فما عجز هذانِ عن سداده من أصل الدين يساوي مجموع الفائدة التي دفعها الثلاثة؛ وهو 24.
 
 ولكن المرابي لن يرضى بأقل مما اشترطه عليهم، فماذا سيفعل؟ سيقرضهم في نهاية العام مزيدًا من الدنانير؛ ليسددوا بها ما عجزوا عن سداده في المرة الأولى، بالإضافة إلى ما يحتاجونه ليتموَّلوا للعام القادم. وقد يتمكَّن هؤلاء من سداد كامل الدَّين مع الفائدة هذه المرة، لكن في المقابل سيعجز آخرون عن ذلك، وحينئذٍ لا بد لهؤلاء من مزيد من الاقتراض، وهكذا.
 وبذلك، فإن مجموع مديونية القرية للمرابي يزيد كل عام ولا بد؛ ففي السنة الأولى كانت المديونية 540، سُدد منها 500 وبقي 40.
 
 وفي السنة الثانية سيقرض المرابي القرية ما مجموعه 540، وسيطالبهم بفائدة 8% على المجموع؛ أي 43.2، فتصبح القرية مدينة بما مجموعه 543.2، بعد خصم الأربعين المستحقة من العام السابق، وهكذا تتزايد المديونية.
 
ما السبب؟
 
 والسر في ذلك بسيط: وهو أن المرابي يطالب القرية بدفع دنانير لا توجد في حوزتهم أصلًا؛ فلا مفر لهم من أن يرجعوا إليه ليقترضوا دنانير ليُسدِّدوا بها تلك التي يُطالبهم بها. وهذه ستكون بفائدة بطبيعة الحال.
 
 فإذا رجعوا إليه المرة القادمة، فلن يمكنهم سداد أكثر مما اقترضوه منه، بينما هو يطالبهم بأكثر مما أقرضهم بسبب الفائدة؛ فينمو الدَّين بذلك باطِّراد. وإذا أردنا أن نحسب ذلك رياضيًّا، فسيكون الدَّين الذي تعجز القرية عن سداده للمرابي في العام العاشر مثلًا يساوي:
40 × (1 + 8%) 10 = 86.4
 أي إن مقدار الدين المتراكم الذي يعجز أهل القرية عن سداده قد تضاعف مرة خلال عشر سنوات. وخلال 15 سنة سيتجاوز ثلاثة أضعاف؛ أي 127، وخلال 25 سنة؛ أي خلال عمر الجيل الأول من القرية، سيبلغ الدين 274 دينارًا؛ أي ما يعادل 7 أضعاف الدين الأصلي الذي عجزوا عنه أول الأمر.
 
 فها أنت ترى بكل وضوح أن اشتراط فائدة معتدلة أدى إلى تضاعف الدين بصورة تلقائية. وهذه النتيجة ليست احتمالية، بل هي حتمية لكل مجتمع يسود فيه نظام الفائدة، فقول الله — تعالى: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) ليس نهيًا عن نوع خاص من الرِّبا، بل هو بيان أن كل ربا — وأي معدل للفائدة — سوف يؤدي بالمجتمع إلى أن تتفاقم مديونيته بصورة أُسِّيَّة، إذا كان النظام النقدي قائمًا على الربا.


 أضعاف مضاعفة


 وفي قوله تعالى: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَة) إشارة للنمو الأُسي للدَّين؛ فإنه وَصَف الأضعاف بأنها مضاعفة. وفي نمو الدَّين في المثال أعلاه، عندما يصل الدين إلى ضعف الدين الأصلي، يبدأ معدل النمو يتزايد بصورة أكبر؛ فحجم الدَّين يبلغ ضعف الحجم الأصلي خلال عشر سنوات، ثم يبلغ ثلاثة أضعاف خلال خمس سنوات تالية، ثم يبلغ أربعة أضعاف خلال أربع سنوات أخرى، ثم يبلغ خمسة أضعاف خلال ثلاث سنوات، وهكذا. فبلوغ حَد الضِّعف يمثِّل نقلة نوعية في معدل نمو الدَّين، وكلما بلغ ضعفًا آخر ارتفع نموه بدرجة أعلى.