Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

سيقول السفهاء ... أين الرد؟

قال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142].

 

كان أنبياء بني إسرائيل يصلُّون إلى بيت المقدس، وكانت صخرة المسجد الأقصى المعروفة هي قبلتهم، وقد صلى النبي والمسلمون إليها زمنًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتشوف لاستقبال الكعبة، ويتمنى لو حوَّل الله القبلة إليها، بل كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة في مكة، فيصلي في جهة الجنوب مستقبلًا للشمال، فلما هاجر منها إلى المدينة تعذَّر هذا الجمع، فتوجه إلى الله تعالى بجعل الكعبة هي القبلة، فأجابه الله إلى ذلك.

وفي مطلع هذه الآيات يذكر الله سبحانه صفحة من صفحات المستقبل؛ بأن قومًا سيثيرون هذا التساؤل بقصد التشغيب: ما ولَّاهم عن قبلتهم؟

 يعني أي شيء جرى لهؤلاء المسلمين فحوَّلهم وصرَفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهي قبلة النبيين مِن قَبلِهم؟

واللافت للنظر هنا أمران:

1- أن الله عز وجل سمى هؤلاء المشاغبين: سفهاء!

2- أنه سبحانه وتعالى لم يلقِّن المسلمين جوابًا مقنعًا لهؤلاء السفهاء؛ فقد كان الجواب: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142].

وفي هذا أبلغ الدرس أن نسمي المشككين في الدين والمثيرين للشبهات: سفهاء، كما سمَّاهم القرآن. لا بد أن نتعامل معهم من هذا المنطلق. أما تسمية أعداء الشريعة والعقيدة مفكرين ومحللين وحكماء، فضلًا عن كبار المفكرين، فهذا منطق ضد منطق القرآن، وفيه تعظيم وتبجيل لمن أراد الله إهانتهم، كما أن فيه تعظيمًا للشبهة ونفخًا فيها، وتزيينًا لها، حتى تصير كأنها حجة.

 

ثم يأتي الدرس الثاني في علاج شبهات هؤلاء السفهاء، حيث كان المنتظر أن يقال: فقولوا لهم: كذا وكذا ... لكن القرآن لم يحفل بمقالتهم، ولم يهتم بالرد عليها، ولا غرو فقد سماهم سفهاء، فهل رأيت أحدًا يحفل بالرد على السفيه أو يستمع إليه استماع المنصت المتعلم، فضلًا عن استماع المتخوف المنهزم؟!

 

لكن لم يَفُت القرآن أن هذه الشبهات التي تستهدف العقل الإسلامي تربكه، وتعصف بمعتقداته، لم يَفُته أن النفس التي تستمع إلى هذه الشبهات تحتاج إلى تحصين، وهي التي تحتاج إلى رد يُثَبِّت ما عندها من مسلمات ثباتًا لا تعصف به هذه الشبهات.

 

ولهذا، كان الرد في الآية تحصينًا لهذه الأنفس التي سوف تسمع هذه الشبهات: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]، فهذه الإجابة تصلح مع المسلمين لا مع أعداء الإسلام، فعلى المسلمين أن يتأكدوا من تحصين أنفسهم بتثبيت هذه العقيدة في نفوسهم، هل يؤمنون بأنهم يعبدون الله الذي بيده المشرق والمغرب؟ إذا كان كذلك فما يضيرهم أن يحولهم الله كل يوم إلى قبلة جديدة، فقد أسلموا أنفسهم لله، وعلموا أنه لا يأمرهم إلا بما فيه خيرهم، ولا ينهاهم إلا عما يضرُّهم.

 

وهذا هو المنهج ذاته الذي اعتصمت به هاجر يوم تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام هي وولدها إسماعيل وهو لا يزال طفلًا رضيعًا، تاركًا لهما قليلًا من الماء وبعض حباتٍ من التمر، وعاد بأمر ربه إلى فلسطين، فتبعته أم إسماعيل فقالت: «يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أحد، ولا شيء فيه؟!» قالت ذلك مرارًا، ثم قالت له: «آلله أمرك بهذا؟» قال: «نعم»، قالت: «إذن لا يضيعنا».

 

فالمهم أن يتأكد الإنسان أن هذا الأمر من عند الله، وعليه حينئذ أن يثق بأن الله لن يضيعه! 

وهذا شيء آخر غير اجتهادات العلماء وأقوالهم، فهذه لا بد من عرضها على أدلة الكتاب والسُّنة.