Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

كل مسكر خمر

 في صحيح مسلم بشرح النووي (5)13/17، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام، فعن جابر رضي الله عنه «أن رجلًا قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوَمسكرٌ هو؟ قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام. إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار».

 

هذا حديث عجيب فى تصميمه وبنائه اللغوي والبلاغي، ذلك أنه نموذج رفيع لصياغة النصوص القانونية أو التشريعية في خلوصها إلى الغاية والهدف من أقصر طريق وأوضحه، وهو ما تنص عليه برامج علم اللغة القضائي، بما هو فرع جديد من فروع اللسانيات التطبيقية؛ فقد صاغ النبي صلى الله عليه وسلم الحكم التشريعي المستهدف في جملة واضحة قصيرة محكمة هي: كل مسكر حرام، وهذه الجملة الاسمية القصيرة حققت الغرض من صياغتها بهذا الشكل؛ حيث دل هذا التركيب على:

 

(1) أبدية الحكم الشرعي وخلوده؛ لخلو الجملة من الزمن.

 

(2) واستغراقه لأنواع المسكرات جميعًا، بما جاء فى الجملة من تصدرها بأشهر ألفاظ العموم والشمول في اللسان العربي (كل).

 

(3) وقطع الطريق على المتلاعبين والمنحرفين، بصياغة النص بالوصف لا بالاسم؛ بمعنى أن الحديث الشريف لم يُسمِّ مسكرًا بعينه، وإنما نص بالوصف، وحرم بتوافره، وهو الأمر الذى يقر حقيقة أن الأحكام تحيط بحقائق الأشياء ولا تحيط بأسمائها.

 

(4) وقد تحقق في هذا النص القصير المحكم ما يسمى في البلاغة العربية بسؤال الحكيم؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُجب عن حكم "المزر" المسئول عنه، وإنما وجه السائل إلى أن الأولى أن يكون السؤال عن المسكر عمومًا جاء في صورة "المزر" أو غيره؛ ثم أجاب عن هذا الأولى بما رأيت من النص القصير المحكم الواضح.

(5) ثم إن وجازة النص وقصره ملمح بلاغى مهم يعين على استحضار النص، واستعادته وتذكره، وهو ما تفضله بلاغة النصوص القانونية.

والحديث من جهة أخرى نموذج دال على بلاغة الحوار، وبلاغة الإبلاغ، وبلاغة التعليم، فقد جاء في صورة حوار بين المتعلم (السائل) والمعلم (المسئول) صلى الله عليه وسلم، حرص فيه المعلم صلى الله عليه وسلم على استيضاح أبعاد الشيء المسئول عنه، وفي ذلك طمأنة للسائل، وإشعاره بالاهتمام بقضيته، وفيه تعليم أيضًا للأمة بالانطلاق في حكمها على الأشياء من تقرير حقيقة هذه الأشياء لا من تقدير ظواهرها أو أسمائها.

 

وصياغة بيان العقوبة بأنها مضمونة بعهد الله سبحانه، الذي هو الأوفى بالعهد على الإطلاق، وفي ذلك تأكيد على خطر العقوبة ابتداءً لوقوعها في عهد الله سبحانه، ثم إن التقديم لشبه الجملة: إن على الله، وتأخير اسم إن: عهدًا، يحمل تحذيرًا ظاهرًا للمتورطين في شرب المسكر.

 

وتعيين العقوبة بتركيب: طينة الخبال باعث على إثارة الرعب و الفزع؛ لتحقيق المنع من شرب المسكر؛ ذلك أن هذا التركيب الإضافي، مع كونه معرفًا نحويًّا إلا أنه مثير للتخويف بسبب من كونه: "غيبًا" لا يدخل في دائرة الحس الدنيوي، وهو الأمر الذي يستدعي عمل الخيال، ولا سيما أن المعاقب هو الله تعالى الذي تعهد به.

 

والحديث يصنع إطارًا قويًّا للتدابير المانعة من شرب المسكر بطريقة بلاغية واضحة مكونة من استعمال:

 (1) تركيب غامض بسبب من غيبيته.

 (2) وبسبب من تصميمه في هيئة صورة فنية ممتدة تستدعي صورة أهل النار الذين يسيل عرقهم أو الصديد من تعذيبهم، وسقي الذين كانوا يشربون المسكر في الدنيا، وهي صورة باعثة على الفزع، والغثيان، والاشمئزاز ، والنفور.

 (3) ثم بتثبيت هذه الصورة؛ لأن غموض تركيب: "طينة الخبال" حملهم على السؤال عن ماهيته، مما في ذلك من ترسيخ المفهوم.

 

وتأمل: الخبال دلاليًّا و صوتيًّا يقود إلى تصور صورة الذي يخوض في الطين ويتعثر فيه، على ما في ذلك من مهانات وصعوبات قصد إليها النبي صلى الله عليه وسلم. وفي المجمل هذا حديث بديع في دلالته على سمت كلام النبي صلى الله عليه وسلم ورعايته لمقام التشريع والتعليم معًا.

ــــــــــــــــــــ

منقول.