Islam 4 me

استشارات/ شبابية

السؤال

مرحبًا دكتورة سحر، لقد فقدت أبي منذ سنة ونصف. أبكي دائمًا والاكتئاب لا يفارقني، وأتعرض لضغوط كثيرة من قِبل والدتي حتى بدأتُ أتمنى الموت. حالتي مستمرة طوال الوقت، وأحيانًا لا أستطيع النوم ولا حتى الأكل. أنا أعمل الآن دائمًا.

الاجابة

د. سحر طلعت

2016/06/08 88

الأخت الكريمة مها

أهلًا ومرحبًا بك، ونشكرك على ثقتك في موقعنا.

قلبي معك يا مها، أنت تُمرِّين بمراحل الفَقْد، أنت ما زلتِ لم تتعافي من صَدمة فَقد والدك. ومراحل الفَقد تختلف من إنسان لإنسان؛فنحن مختلفون، ومِن ثَمَّ فإن تفاعلاتنا ومشاعرنا تختلف اختلافًا كبيرًا، وفقًا لمحددات كثيرة.

من المهم أن نوضح أن مراحل الفقد ليست مُحددة بتوقيتات معينة، فهي تختلف من شخص لآخر، وليس لزامًا أن نَمُرَّ كُلُّنا بكل المراحل، كما أن هذه المراحل لا تسير بشكل خَطِّي؛إذ يمكن أن نكون في مرحلة في هذه اللحظة، وبعد دقائق أو ساعات ننتقل لمرحلةتالية، ثم نعود ثانية لمرحلة سابقة. وهذه المراحل هي:

1-الإنكار:

في هذه المرحلة يكون ألم الفقد فوق الاحتمال؛ ومن ثمَّ فإننا نحتاج أن ننكر لبعض الوقت حتى نستطيع أن نستكمل حياتنا مع الفَقد، فالحياة بعد الفَقْد تكون بلا معنًى، وتبدو لنا مريعة ومرعبة؛حيث نجد أنفسنا وكأننا فَقَدنا الطريق، وفقدنا كل معنًى للحياة.

ويأتي الإنكار ليساعدنا على عبور هذه المرحلة القاسية؛ حيث يسمح لنا بأن نخرج المشاعر المؤلمة بالقدر الذي نستطيع تحمُّله، لكن هذا لا يعني أن مشاعر الحزن الشديد والغضب الشديد قد اختفت. ما زالت طاقة المشاعر الرهيبة موجودة، لكنها تختفي وراء الإنكار، وكلما قلَّ الإنكار كلما ظهرت هذه المشاعر بكل عنفوانها وقسوتها، ولكنها تظهر في الوقت الذي أصبحت فيه أنت أقوى.

2- الغضب:

بعد الإنكار يأتي الغضب، والغضب يخفي خلفه العديد من المشاعر، وأهمها الألم الرهيب. في البداية سيكون الغضب موجودًا وغير محدد، الغضب من كل شيء وكل أحد، وكلما سمحت لنفسكِ أن تغضبي، وكلما عبَّرت عن هذا الغضب، كلما ساعدك هذا على التعافي، والغضب ليس له حدود، ويمكن أن يوجَّه لأيٍّ من المحيطين — وهذا قد يُفسِّر غضبك من أمِّك — كما يمكن أن نشعر بالغضب من الله الذي حرَمنا ممن نحب.

3- التفاوض:

 في هذه المرحلة نغرق في: ماذا لو؟ ماذا لو كنا اكتشفنا المرض مبكرًا؟ ماذا لو كنت أكثر عطفًا ورعاية؟ ماذا لو لم أفعل ما يُغضب الأحبَّة؟ ماذا لو كان كلُّ هذا حلمًا سيئًا وسأستيقظ منه؟ ماذا لو كان بإمكاننا العودة بالزمن؟ أسئلة لا تنتهي وعنوانها:ماذا لو؟ ماذا كان بإمكاننا أن نفعل لنتفادى هذه النهاية المؤلمة؟ وتتصاعد مع هذه التساؤلات مشاعر الذنب.

4- الاكتئاب:

بعد التفاوض نعود للواقع، نشعر بالخواء، وتتسلل مشاعر الفقد لحياتنا بشكل أكثر عمقًا، أكثر عمقًا ممَّا نتخيَّل، ونشعر أن هذه المرحلة ستستمر إلى ما لا نهاية. ومن المهم أن ندرك أن هذا الاكتئاب لا يعتبر علامة على المرض النفسي، وأنه تفاعلٌ طبيعي لفقد عظيم. ننعزل من الحياة مع شعور بالحزن المروع.

ما تشعرين به من اكتئاب هو أمر طبيعي؛لذا اقبليه ولا ترفضيه، ولا تتعجلي الخروج منه؛ ففقد شخص عزيز هو حدث مؤلم جدًّا، ومن الطبيعي أن تشعري معه بالاكتئاب، بل إن عدم الشعور بالاكتئاب هو غير الطبيعي، فعندما تتوطن مشاعر الفقد داخل الروح، وعندما تتأكدين أن الشخص المحبوب لن يعود ثانية، الاكتئاب هو الشعور الطبيعي والمفهوم.

وإذا كان التعافي بعد فقد الأحبة يحدث من خلال المرور بمراحل الفقد المختلفة، يمكننا القول إن الاكتئاب هو مرحلة مهمة جدًّا من مراحل التعافي، نحتاج أن نعيشها ونَقبَلها، وإن ما فيها من ألم لن يكون فقط طريقنا لعبور أزمة الفقد، ولكنه الطريق للنُّضج الحقيقي، أو كما نسميه الألم الشريف الشافي.

5- مرحلة القبول:

والقبول لا يعني أن كل شيء سيعود كما كان، وأنه لن يوجد ألم، وأننا سنصبح متصالحين جدًّا مع فقد الأحبة. القصة ليست كذلك، القصة أننا نصبح أكثر قبولًا لحقيقة فقد الأحبة، ونصبح أكثر قبولًا لفكرة استمرار الحياة بعد وفاتهم، ونسمح لأنفسنا أن نحيا أوقاتًا سعيدة، وتصبح الأوقات السعيدة في حياتنا أكثر من أوقات الألم والتعاسة.

الخلاصة:إن ما تشعرين به هو أمر طبيعي بعد حدث جلل كفقد الوالد؛ فاقبلي مشاعرك ولا ترفضيها، ولكن أنصحك بالاستعانة بأخصائي نفسي؛ ليساعدك على عبور هذه المرحلة القاسية من حياتك.

 

المصدر: موقع صحتك.

مستشارة اجتماعية