Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

الشعبنة .. الصورة والحكم

  تنتشر "الشعبنة" في أواسط شهر شعبان في مدن غرب السعودية، وتبلغ ذروتها في الأيام والساعات الأخيرة من شهر شعبان.

و"الشعبنة" تعني توديع شهر شعبان، والاستفادة من الساعات الأخيرة منه في الاستمتاع مما سوف يُحرم منه المرءُ في شهر رمضان.

فهي دعوة لإطلاق رغبات النفس، وإشباعها من الطعام والشراب، والحديث الماجن، ونحو ذلك.

إساءة أدب:

ولا شك أن التعامل مع شهر رمضان على هذا النحو فيه إساءة استقبال له، وفيه ما يشي بالضيق والتبرُّم من مَقْدمه، والتعامل معه على أنه سجن يَحرم النفس من رغباتها.

وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى قديمًا بقوله:

إذا العشرون من شعبان ولَّتْ

فواصِلْ شُرب ليلك بالنهار

ولا تَشربْ بأقداحٍ صغار

فإن الوقت ضاق على الصِّغار

وهنا بلغت الدعوة أوْجها لتصل إلى الانغماس في المحرمات وشرب الخمور قبل أن تُمنع في رمضان!

وقد ذكر ابن رجب الحنبلي من مظاهر هذا المسلك أن بعض السفهاء من الشعراء كان يسب رمضان؛ لاعتقاده أنه شهر يَحرِمه من الشهوات!

 وكان للرشيد ابن سفيه، فقال مرة شعرًا:

دعاني شهرُ الصوم لا كانَ من شهرٍ

ولا صمتُ شهرًا بعده آخرَ الدهر

فلو كان يُعديني الأنام بقدرة

على الشهر لاستعديتُ جهدي على الشهر

فأخذه داء الصرع، فكان يُصرع في كل يوم مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.

وهؤلاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام؛ فكثير من هؤلاء لا يصلي إلا في رمضان إذا صام، وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان، فيطول عليه، ويشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يَعُدُّ الليالي ليعود إلى المعصية.

وهؤلاء مُصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون، كما يقول قائلهم أحمد شوقي:

رمضان ولَّى هاتها يا ساقي

مشتاقة تسعَى إلى مُشتاق

وتحكي كتب التاريخ أن محمد بن هارون البلخي كان مصرًّا على شرب الخمر، فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران، فعاتبته أمه وهي توقد تنورًا، فحملها فألقاها في التنور فاحترقت!
 ثم بعد ذلك تاب وتعبَّد، فرُؤي له في النوم أن الله قد غفر للحجيج كلهم سواه. فمن أراد الله به خيرًا حبب إليه الإيمان، وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، فصار من الراشدين.

 ومن أراد الله به شرًّا خلَّى بينه وبين نفسه، فأتبعه الشيطان، فحبَّب إليه الكفر والفسوق والعصيان، فكان من الغاوين.

كيف كان يستقبل السلف رمضان؟

وإذا نظرنا إلى حال السلف الصالح، وجدنا أنهم كانوا ينتظرون شهر رمضان انتظار المحب للحبيب، فقد كانوا يدعون الله قبل مقدمه بستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان!

قال معلَّى بن الفضل: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم".

وقال يحيى بن أبي كثير: "كان من دعائهم: اللهم سلِّمني إلى رمضان، وسلِّم لي رمضان، وتسلَّمه مني متقبلًا".

وباع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم، فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟! لقد كنتُ عند قوم كل زمانهم رمضان؛ ردُّوني عليهم.

باع الحسن بن صالح جارية له، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار، الصلاة الصلاة، قالوا: طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟! ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني إلى قوم لا يصلون إلا المكتوبة؛ ردَّني ردَّني.

قيل لبِشْرٍ: إنَّ قومًا يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقط! فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقًّا إلا في رمضان. إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها.

وقيل لأحد الصالحين: أيهما أفضل رجب أم شعبان؟ فقال: "كن ربانيًّا ولا تكن شعبانيًّا".

قال بعض السلف: "صُمِ الدُّنيا، واجعل فِطْرك الموت؛ الدنيا كلها شهر".

كان رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يبشِّر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة، قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يبشِّر أصحابه: «قد جاءكم شهر رمضان؛ شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرم خيرها فقد حُرم».