Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

تكرار عمرة رمضان .. إلى المنع أقرب!!

كتبنا في مقال سابق بعنوان «عمرة تساوي حجة» أن شهر رمضان من نفحات الله في الدهر، وأنه ينبغي للمسلم أن يستثمر فيه وقته في أداء الطاعات، ومن أفضل الطاعات فيه زيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة، وأن العمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونظرًا لفضل العمرة في رمضان يحرص كثير من المسلمين على أن يعتمروا كلَّ عام؛ فما حكم تكرار العمرة في رمضان؟

 

الأحاديث الواردة في تكرار العمرة:

وردت بعض الأحاديث النبوية التي تحث على تكرار العمرة؛ منها:

- ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» [متفق عليه].

- ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» [أخرجه أحمد والترمذي والنسائي].

 

لماذا تكرار عمرة رمضان إلى المنع أقرب؟

بداية نحن لا نقول: إن تكرار عمرة رمضان أمر محرم أو غير جائز أو ممنوع فعله، بل نقول: هو إلى المنع أقرب، وليس ذلك ردًّا للأحاديث النبوية الصحيحة التي تحث على تكرار العمرة، وإنما نقول ذلك فهمًا للواقع الذي يقتضي القول بمنع تكرار العمرة في رمضان، وإذا ما وُجد الواقع الذي يتوافق مع القول بتكرار العمرة في رمضان فسنقول به، إن شاء الله تعالى.

ويرجع قولنا إن تكرار عمرة رمضان إلى المنع أقرب إلى النقاط التالية:

1- أن تكرار العمرة في رمضان يمنع الكثير ممن لم يعتمر من فرصة الذهاب إلى العمرة؛ فمن يعتمر كلَّ رمضان ويحرم الآخرين هو أناني لا يحب إلا نفسه.

2- أن هذا التكرار يؤدي إلى الازدحام الشديد في رمضان؛ ما قد يضر بكبار السن والعجزة، ويسقط معه بعضهم صرعى من شدة التزاحم، والله عز وجل لا يقبل مثل هذه النوافل التي تؤدي إلى إيذاء الآخرين ممن يؤدون ما افترض الله عليهم.

3- أن في تكرار العمرة في رمضان عدم مراعاة لجانب الأولويات؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسد حاجة الفقراء والمساكين- وما أكثرهم الآن- كما أمر بتكرار العمرة، وإعطاء كلٍّ من الفقير والمسكين ما يسد حاجتهما أولى بكثير من الاعتمار كل رمضان نافلة.

وفي هذا الأمر ضرب الإمام المجاهد العابد الزاهد عبد الله بن المبارك أروع الأمثلة؛ حيث خرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مرَّ بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأَخْذِها المَيتة، فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوتٌ إلا ما يُلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مالٌ فظُلم وأُخذ ماله وقُتل. فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، فقال: عُدَّ منها عشرين دينارًا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي؛ فهذا أفضل من حجنا في هذا العام. ثم رجع.

لقد ترك هذا الإمام الحج ليسد حاجة هذه الجارية الفقيرة التي لا تجد قوتها وقوت أخيها!

إنه الفقه والفهم الصحيح لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

4- تكرار العمرة في رمضان يزيد من التجارة على فقراء المسلمين في أداء العمرة؛ فيُحرمون منها.

ذلك أن تكرار العمرة في رمضان جعل أصحاب العقارات الكائنة بجوار الحرم يغالون مغالاة فاحشة في قيمة إيجار الغرفة في فندق مجاور للحرم؛ فقد وصل إيجار الغرفة إلى عشرة آلاف ريال للَّيلة الواحدة في العشر الأُوَل من رمضان، ووصل إلى أكثر من سبعين ألف ريال للَّيلة الواحدة في العشر الأواخر!

بل لقد وصل الأمر إلى أن يدفع إنسان ألف ريال أو أكثر لحجز مكان له في الصف الأول في الحرم لأداء صلاة التراويح!

وأظن أن من يفعل هذا سفيه؛ فالسفيه هو من يصرف المال الكثير فيما يعود عليه بالنفع القليل، أو ما لا يعود عليه بالنفع أصلًا، والسفيه هو من لا يحافظ على المال بين يديه.

5- أن تكرار العمرة في رمضان لا يتناسب مع ظروف المسلمين الآن؛ فهي صعبة جدًّا؛ فقد كثر منهم اللاجئون والمهاجرون والمهجَّرون، ويعيش غالبية الباقين تحت الفقر والاضطهاد، وهذا يقتضي أن تُوَجَّه مثل هذه الأموال التي يُتَنَفَّل بها في أداء عمرة كل رمضان إليهم.

 

بدائل تكرار العمرة:

يوجد بدائل كثيرة لتكرار العمرة، نجمل أهمها في التالي:

1- إعطاء هذا المال لمن لم يعتمر ليعتمر به:

فـ«الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإعطاء المال لمن يعتمر به يأخذ حكم الدلالة على الفعل والإعانة عليه؛ فنرجو أن يكون ثوابه أكثر من ثواب الاعتمار فقط.

2- إعطاء هذا المال لمن لا يجد قوت يومه، وهم كُثُر!

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهو يَعْلَمُ بِهِ» [أخرجه الطبراني في الكبير]، وقال أيضًا: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [أخرجه مسلم].

3- إعطاء هذا المال لمن لا يستطيع أن يعفَّ نفسه بالزواج من شباب المسلمين ليتزوج به؛ فتزويج هؤلاء الشباب منفعة تتعلق بالخلق، وهي منفعة متعدية، والتنفُّل بالعمرة منفعة مقصورة على صاحبها، ولا شك أن المنفعة المتعدية أفضل منها.

4- الجلوس بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وصلاة ركعتين:

فقد رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» [أخرجه الترمذي].

5- جعل هذا المال كفالة ليتيم:

انطلاقًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وأشار بالسبابة والوسطى، وفرَّج بينهما شيئًا [أخرجه البخاري].

فكفالة اليتيم يترتب عليها صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا شك أن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة أهم من صحبته في الحج.

 

لفتة فقهية من أناس يعيشون بجوار الحرمين:

وأخيرًا، أذكر هنا فهمًا عميقًا وفقهًا دقيقًا لأناس يعيشون بجوار الحرمين الشريفين؛ حيث يحرص هؤلاء على الصلاة فيهما طوال العام؛ نظرًا للأجر المضاعف على الصلاة فيهما، ومع حرص هؤلاء على الصلاة فيهما، فإنهم يتركون الصلاة فيهما في رمضان ويُصَلُّون في المساجد الأخرى؛ إفراغًا للأماكن للمعتمرين، وهؤلاء أظن أن الله عز وجل سيؤتيهم أجر الصلاة في الحرم وأجر التيسير على المسلمين.

وفَّقنا الله للفقه والفهم في الدين، وبصَّرنا بما ينفعنا ويرفعنا، وهدانا إلى ما فيه صلاح أمورنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.