Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

أين مكمن الخطر على فهم الإسلام الآن؟!

المثاقفة أو التثاقف أو التداخل المعرفي والثقافي كل هذه الأمور- بقطع النظر عن التسميات- أمور من الطبيعي حدوثها بين الأمم والشعوب؛ فالأرض واحدة، جعلها الله بيتًا واسعًا ممتدًّا للأسرة البشرية، والأسرة البشرية واحدة ممتدة كذلك، واختلافات طبائع الأرض ومناخها مثل اختلاف الألسن والألوان في البشر، لتعرف كل مجموعة من البشر ديارها، وتبني فيها من العمران ما يناسب طبيعتها ويلبي احتياجاتها، باعتبارها دارًا لتلك المجموعة من البشر لا تمتاز بشيء على غيرها إلا بذلك.

 

وقد مُنحت القداسة لأرض واضحة المعالم محدودة؛ لحِكَم قد نعالجها في دراسة أخرى من دراساتنا. وأُضْفِيَت صفة التحريم على بقعة مباركة أخرى؛ لحِكَم وأسباب كثيرة- كذلك- لعل منها تقديم نموذج للبشرية لما ينبغي أن تكون عليه ديارها من أمن وطمأنينة تسمح بإقامة عمران لا يخالطه الفساد في الأرض.

 

فلا غرابة- بعد ذلك- أن يقع التداخل بين الأفكار والمعارف والثقافات والحضارات في مراحل التاريخ المختلفة. فإقامة الحدود عملية وهمية يقدرها الإنسان ليميّز داره عن دار سواه، وليتمتّع بمشاعر الخصوصية، ويلبي نزعة التملُّك، ويرى ثمار جهوده في حيّز محدود، ويدفع الآخرين إلى أن يفعلوا مثل ما فعل، ويحققوا من العمران في ديارهم مثل ما حقّق.

 

النسق الإسلامي نسق منفتح بطبيعته:

 

إننا لا نندد بطبيعة الانفتاح؛ لأن النسق الإسلامي نسق منفتح بطبيعته، لكننا تمنّينا على الأمة- وما زلنا نتمنى- أن يتم الانفتاح بشروطه وضوابطه وقواعده، وبعد أن تبني الأمة مناهجها المعرفية ونماذجها.

 

وفرق بين أن يتم التداخل والتثاقف بإرادة الأمة، وبين أن يتم بإرادة أخرى من أمة ترغب بتحقيق اختراق، لما تظنه في صالح علو نموذجها، وتحويلها إلى مرجعية بذلك الاختراق للآخرين. فهذا يشبه الجهود التنصيرية التي أعتبرها في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها المسلمون أشبه بالإكراه المقنَّع على مغادرة الإسلام إلى النصرانية: فالفقر والجهل والمرض والأمية والتخلف وجور السلطان، وشيوع الفردية، وتكاثر هذه الأمور، تدمر الإرادة لدى الإنسان تدميرًا، أما الإكراه المألوف فإنه لا يقتلع الإرادة، أو يدمرها، بل يفرض عليها الكمون والانزواء لتظهر أقوى مما كانت بعد زوال وسائل الإكراه الملجئ.

 

اليهود لا اهتمام لديهم بالدعوة إلى ديانتهم:

 

ولا شك أن اليهود لا اهتمام لديهم- لا في القديم ولا في الحديث- بالدعوة إلى ديانتهم؛ فهم يدركون- تمامًا- قومية اليهودية وانحصارها في بني إسرائيل، بل على العكس من ذلك إنهم يضنُّون بها على سواهم، ولا يرون سواهم أهلًا لحمل هذه الديانة، فلم تكن بينهم وبين المسلمين مشكلة تبشير باليهودية، أو محاولات استقطاب لمسلمين ليصبحوا يهودًا؛ فهم حريصون على انحصار اليهودية بقومهم {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76] {قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75].

 

ادّعاء اليهود أن البشر عالة على علومهم:

 

لكنّ لديهم أمورًا أخرى قد لا تقل خطورة عن التهويد لو مارسوه، وهي ادّعاؤهم العلم في كل شيء، وأن البشر كل البشر عالة على علومهم قديمًا وحديثًا. وهم إذا ما رأوا عند سواهم علمًا بشيء فإنهم لن يترددوا بنسبه إليهم إن كان فيه خير، وإن كان فيه شيء آخر فسرعان ما يتنصَّلون منه، ويعتبرون عناصر النقص فيه إنما دخلت إليه، لأنه لم يُرجع إليهم فيه.

 

وحين بعث الله تبارك وتعالى خاتم رسله وأنبيائه محمدًا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل، وإن كان صلى الله عليه وسلم من بني إسماعيل بن إبراهيم، وذلك يعني أن إسحاق عمُّه، وبنو إسحاق أبناء عمومته- لم يكن ذلك كافيًا لإرضاء كبريائهم؛ فتنكروا له وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وأقنعوا أنفسهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يأتِ بجديد، وأنه تتلمذ على اليهودية وتنكر لها، أو تمرد عليها، ولذلك فقد وضعوا لأنفسهم مقياسًا عجيبًا: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41]، فما دام رسول الله قد أخذ عنا- بزعمهم- فإن جاءكم بشيء مماثل- تمامًا- لما عندكم فاقبلوه، أما إذا جاءكم بما يخالف ما لديكم فاحذروا. وما دامت تلك قناعتهم ورأيهم في الرسالة وفي الرسول- إذن- فلابد من مقاومة أية خصائص أو مزايا يمكن أن تثبت غير قناعاتهم التي بلغوها في الرسالة وحاملها عليه الصلاة والسلام.

 

المصدر: لا إكراه فى الدين - د. طه جابر العلواني- ص57- 59.