Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

حادث أورلاندو وأمثاله في ميزان الشريعة

طالعتنا وسائل الإعلام المختلفة- أمس- بحادث تفجير في ملهى ليلي بأورلاندو في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية؛ الذي قُتل فيه ما يزيد عن 50 شخصًا، وأصيب فيه العشرات، واتُّهم فيه شخص مسلم أمريكي يُدعى عمر متين (26 عامًا)، وهو من أصل أفغاني وُلد في مدينة نيويورك ويعيش في ولاية فلوريدا، ونظرًا لأن هذا الشخص- كما نُقل- كان مسلحًا فقد قامت الشرطة بقتله.

ثم بعد تنفيذ الحادث بوقت قصير أعلن تنظيم داعش- الذي يطلق على نفسه مسمى تنظيم الدولة الإسلامية- مسئوليته عن الهجوم.

وتطالعنا وسائل الإعلام بمختلف أنواعها من حين لآخر أن مسلمًا أو بعض المسلمين قام بتفجير كذا وكذا، ثم يقوم طرف آخر يدعي أنه من جماعة كذا التي تتولى الدفاع عن الإسلام والمسلمين، وأنها هي التي قامت بفعل تفجير كذا، ثم تقول هذه الجماعة: إنها بذلك تجاهد ضد أعداء الإسلام، وأن هذا التفجير ليس آخر التفجيرات؛ مسلسل مستمر!!!

أي دين هذا؟!!

أي عقول هذه؟!!

أي فكر هذا؟!!

أي منطق هذا؟!!

أي بشر هؤلاء؟!!

هؤلاء أعداء الدين والعقل والفكر والمنطق والبشرية جميعًا.

هؤلاء محاربون لله ورسوله.

هؤلاء مفسدون في الأرض.

هؤلاء يضرون الإسلام ولا ينفعونه.

إنهم يفعلون أفعالهم هذه من أجل إثارة الأحقاد على المسلمين كلما خفّت.

والإسلام بريء من هؤلاء ومن أفعالهم؛ فهذه الأفعال الشائنة لا يفعلها إلا أناس لا يعرفون مبادئ الإسلام وتعاليمه التي تدعو إلى التعايش السلمي للمسلمين مع غير المسلمين.

شبهة قتل غير المسلمين بدعوى الجهاد:

يتعلل هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينتسبون إلى الإسلام أنهم يفعلون ذلك بدعوى الجهاد، فنقول لهؤلاء وأمثالهم من المفسدين في الأرض: إن أمر الجهاد والحروب والقتال لا يقرره شخص أو جماعة من الجماعات أو فئة من الفئات، وإنما يقرره الحاكم وولي الأمر بعد مشاورة أهل الحل والعقد من نواب الشعب كله، المنتخبين لتمثيل بقية الناس في المجالس النيابية؛ لأن أمر الحرب سيتأثر به جميع الناس، سواء كان هذا التأثر مباشرًا أو غير مباشر، سلبًا أو إيجابًا.

خطأ حصر الجهاد في القتال:

من الخطأ الواضح والبين حصر الجهاد في القتال، وهذا هو الفهم المغلوط الذي يذهب إليه هؤلاء القتلة، متهمين الحكام بأنهم تخلَّوْا عن فريضة الجهاد، ألا فليعلم هؤلاء أن الجهاد مصطلح واسع يشمل إعداد الجيوش وحماية الحدود والثغور وتأمينها، وليس مقصورًا على القتال كما يذهبون.

ولا نكاد نجد دولة من دول العالم- سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة- تهمل في إعداد الجيش الخاص بها وحماية حدودها وتأمينها، وإن كان ذلك يتفاوت من دولة إلى أخرى؛ نظرًا للإمكانيات المتاحة لكل دولة.

الإسلام دين السلام:

وليعلم هؤلاء- إن كانوا ينتمون إلى الإسلام حقًّا- أن نصوص الإسلام- قرآنًا وسنة- أكدت في أكثر من موطن أن الإسلام دين السلام لا دين العنف والإرهاب وسفك الدماء، ونظرًا لضيق المقام فنكتفي بذكر طرف منها فيما يأتي:

1- قول الله سبحانه عقب ذكر حادثة قتل قابيل لأخيه هابيل: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32].

فالآية الكريمة قد عممت فقالت: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا} ولم تقل نفس مؤمن، وهذا دليل واضح على أن للنفس البشرية حرمة بشكل عام أيًّا كان معتقدها أو دينها.

2- قول الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61].

فهذه الآية صريحة في أن الإسلام دين السلام بكل ما تحمله كلمة السلام من معنى؛ فهي تغلِّب جانب السلام على جانب الحرب، بل وتدعو إلى الجنوح إلى السلام.

3- قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْتِكُ الْمُؤْمِنُ، الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ» [أخرجه أبو داود والحاكم].

والفتك هو القتل على حين غفلة وغِرّة وخديعة؛ فالإسلام يمنع المسلم من الفتك بالآخر، سواء كان هذا الآخر مسلمًا أو غير مسلم.

وأخيرًا:

ليحذرْ كلُّ مسلم من الفَهم الخاطئ لقضية الجهاد؛ حتى لا يقتل الأبرياء بدعوى الجهاد، وليضع نصب عينيه هذه النقاط:

1- أن الإسلام يدعو إلى إحياء النفس البشرية لا إلى قتلها.

2- أن الإسلام قرر مبدأ حرية المعتقد؛ فلم يرتب على المعتقد أي قتال أو جهاد.

3- أن الإسلام دين السلام؛ فقد جعل الحرب ضرورة لا يضطر إليها، إلا كما يضطر الإنسان لإجراء عملية جراحية.

4- أن قرار الجهاد لا يصدر عن آحاد الناس، وإنما يصدر عن ولي الأمر بعد توفر الأسباب الداعية إليه.

5- أن الجهاد يكون ضد عدو خارجي، وأن معيشة أي إنسان في أي دولة تكون بوثائق تثبت وجوده بينهم، سواء كان من سكانها الأصليين أو من الوافدين إليها، وهذه الوثائق بمثابة عقد أمان بينه وبين باقي أفراد هذه الدولة.

6- أن الجهاد- إن تقرر بقرار ولي الأمر- لا يُقتل فيه مدنيون من مسنين ونساء وأطفال.

جعلني الله وإياكم ممن يحيون النفس البشرية ويدعون إلى إحيائها، وأن يعم الأرض بالسلم والسلام والأمن والأمان.