Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

ما هكذا كان يتوكل الرسول صلى الله عليه وسلم!

روى القشيري رحمه الله حكايات كثيرة عن عدد من مشايخ الصوفية، تركوا الأسباب، بل رفضوها عمداً، ودخلوا البادية المقفرة من غير زاد، متوكلين على الله تعالى، منكرين على مَن يتعلق بالأسباب، في أي وجه، وأية صورة.

 

ونقل الإمام أبو حامد الغزالي هذه الحكايات في كتابه "منهاج العابدين" لتكون نموذجاً يُحتذى للسائرين المريدين للآخرة، والسالكين للطريق إلى الله تعالى. كما ذكرها في "الإحياء" محاولاً تبريرها.

 

من هذه النماذج

 

يقول بعضهم: حججتُ أربع عشرة حَجَّة، حافياً، على التوكل. فكان يدخل في رجلي شوكة، فأذكر أني قد عزمت التوكل، فأحُكُّها في الأرض وأمشي!

يعني أنه يرى إخراج الشوكة المؤذية من رجله مناقضاً للتوكل الذي اعتقده.

 

ويقول آخر: إني لأستحيي من الله أن أدخل الصحراء وأنا شبعان، وقد عزمت على التوكل لئلا يكون شبعي زاداً أتزود به!

يعني أنه يرى أن الشبع ينافي التوكل الذي ألزم نفسه به!

 

يأبى أن يخرج من الصحراء إلا محمولا بغير إرادة منه

 

وقال آخر: دخلت الصحراء مرة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت المرحلة (القرية أو محطة الاستراحة) من بعيد فسررتُ بأني قد وصلت، ثم فكرت في نفسي: أني سكنت واتكلت على غيره تعالى، فآليت ألا أدخل المرحلة، حتى أُحْمَل إليها. فحفرت لنفسي في الرمل حفرة، وواريت جسدي فيها إلى صدري! فسمعوا صوتاً في نصف الليل عالياً يقول: يا أهل البادية؛ إن لله تعالى ولياً حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه .. فجاءني جماعة فأخرجوني وحملوني إلى القرية!

 

يقع في البئر فلا يستغيث!

 

ومثل ذلك: من وقع في بئر فنازعته نفسه أن يستغيث، فقال: أراد الله ألا أستغيث.. ومر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال نسد رأس هذه البئر لئلا يقع فيها أحد.. وشرعا يفعلان. وقد همَّ أن يصيح، ثم قال في نفسه: أصيح ( أي أشكو ) إلى مًن هو أقرب منهما! إلى الله سبحانه. وسكن لهذا الخاطر، فيما هو بعد ساعة، إذا هو بشيء جاء، وكشف عن رأس البئر، وأدلى رجله، وكأنه يقول له: تعلق بي، قال: فتعلَّقتُ به فأخرجني، فإذا هو سبع، ساقه اللي ليُنقذني.

 

مخالفة هذه الحكايات للسنة الصحيحة

ولكن العارفين الراسخين يعلمون أن السُنَّة على خلاف ما يحكى عن هؤلاء.

يقول شيخ الصوفية وسيدهم سهل بن عبد الله التستري: مَن طعن في الحركة ( يعني السعي والأخذ بالأسباب ) فقد طعن في السُنَّة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.

 

وذلك أن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم -القولية والعملية والتقريرية- الأخذ بالأسباب، والدعوة إلى مراعاتها، مع تعلق القلب بالله تعالى، مسبب الأسباب، وصاحب الخلق والأمر.

فهو يقول للأعرابي في شأن ناقته: (اعقلها وتوكل).

 

ويقول: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) ، وفيه إشارة إلى التسبب؛ لأنه لم يضمن لها الرواح بطاناً، إلا بعد أن غدت خماصاً، والغدو حركة وانتشار.

 

وأحاديثه عليه الصلاة والسلام - في الدعوة إلى العمل والكسب الحلال، عن طريق الزرع والغرس، والصناعة والتجارة والاحتراف -ولو بالاحتطاب- كثيرة وشهيرة.  ومنها قوله صلى الله عليه وسلم " لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، يأخذ الرجل حبله فيعمد إلى الجبل فيحتطب على ظهره فيأكل به خير له من أن يسأل الناس معطى

أو ممنوعا ( أي أعطوه أو منعوه) ".

 

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) ، وحديثه الآخر: ( إن قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فَسِيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسَها؟ فليغرسْها).

 

وقد رأيناه صلى الله عليه وسلم يعد العدة، ويهيئ الأسباب في غزواته وسراياه، ويتخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة جيشه، والمحافظة على جنوده، ويبعث العيون والطلائع لمعرفة أخبار الأعداء، والتعرف على نقاط الضعف عندهم. وهذا بيِّن لمن قرأ سيرته، ودرس مغازيه صلى الله عليه وسلم.

 

ومن روائع ما قرأناه في سُنَّته وسيرته صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب: استخدامه "أُسلوب الإحصاء" منذ وقت مبكر من إقامة الدولة الإسلامية، أي بعد الهجرة إلى المدينة. فقد روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أحصوا لي كم يلفظ بالإسلام) حتى لفظة "الإحصاء" استعملها.

 

وفي رواية للبخاري في صحيحه أنه قال: (اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس). قال حذيفة : فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل. ويبدو أن إحصاء الرجال القادرين على حمل السلاح كان هو المقصود بالقصد الأول.

 

فهو ليس إذن عداً شفهياً. بل هو إحصاء كتابي -لقوله: ( اكتبوا لي )- يُراد تدوينه وتسجيله، ليعرف منه عليه الصلاة والسلام مقدار القوة البشرية الضاربة التي يستطيع أن يواجه بها أعداءه المتربصين به، وما أكثرهم.

كما أن من سيرته وسُنَّته صلى الله عليه وسلم التخطيط للمستقبل، وإعداد العدة للغد.