Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

ابن دقيق العيد .. قاض مجدد

محمد بن علي بن وهب، المُلقَّب بابن دقيق العيد، عالِمٌ من العلماء العاملين، وأحد أئمة التجديد الذين لعبوا دورًا محوريًّا في تاريخ أمة الإسلام والمسلمين؛ اختاره السيوطي ليكون مجدد القرن السابع الهجري، وقال عنه السبكي في كتابه "طبقات الشافعية": «لم أر أحدًا من مشايخنا يختلف على أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس المائة السابعة»؛ أي كي يجدد لهذه الأمة أمر دينها، كما ورد في حديث رسول الله. وسوف نقتصر في هذه الأسطر القليلة على دوره في القضاء حتى تتيسر لنا معه وقفة أخرى.

فأل حسن

 ولد هذا الإمام المُلهم في عام 625هـ، بالقرب من ساحل ينبع، أثناء توجه أبويه لتأدية فريضة الحج، فكانت ولادته في تلك الظروف فألًا حسنًا لصلاح أمر هذه المولود الواعد. وقد طاف به والده حول الكعبة ودعا الله أن يجعله عالمًا عاملًا، فاستجيب له.

لقبه

لُقِّب هذا الإمام واشتهر بابن دقيق العيد؛ نسبةً إلى جده الذي كان يرتدي طيلسانًا شديد البياض، فلقيه البعض معجبين بشدة بياضه فقالوا: كأنه دقيق العيد، فلُقب الجد والوالد وعالمنا هذا بابن دقيق العيد منذ ذلك التاريخ.

عائلة كريمة

وقد اشتهرت عائلة ابن دقيق العيد إجمالًا بأنها عائلة كريمة من أشرف بيوتات صعيد مصر وأكرمها نسبًا، وأشهرها علمًا وأدبًا. وقد قيل إن والده نزل بمدينة قوص فوجد ذيوعًا للمذهب الشيعي، فشرع يدعو لمذهب أهل السنة حتى أزال مذهب الشيعة كليةً من المدينة، مما يشي بأن هذا العالم ورث علو الهمة كابرًا عن كابر.  

التدريس في حياته

لم يعش هذا العالم الفذ في عزلة عن المجتمع الذي كان يعيش فيه، بل كان شعلة من النشاط والتفاني، مارس مهنتين من أخطر المهن؛ وهما: مهنة التدريس ومهنة القضاء. أما مهنة التدريس فقد بدأها في مدرسة بمدينة قوص، فذاعت شهرته حتى طبقت الآفاق، فقصده العديد من طلاب العلم الذين اختلفوا إليه، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة عاصمة البلاد.

درَّس في ست مدارس من مدارس القاهرة؛ فدرس في المدرسة الفاضلية الفقه على المذهبين الشافعي والمالكي، ثم درس الحديث في المدرسة الكاملية، كما درس في المدرسة الناصرية بالقرافة، والمدرسة الصلاحية، والمدرسة الصالحية، والمدرسة المنصورية.

توليه القضاء بحيلة

وفي أخريات حياة هذا الرجل الزاخرة بالعلم والتعليم، وبالتحديد في عام 695هـ، عندما بلغ السبعين من عمره، تولَّى منصب قاضي قضاة الشافعية في عهد السلطانين كتبغا والمنصور لاجين. وقد عُرض عليه المنصب عقب وفاة القاضي عبد الرحمن بن بنت الأعز، فرفض رفضًا قاطعًا، فتحايلوا عليه وقالوا له: إن منصب القاضي قد انحصر في شخصين ليسا أهلًا له، فقبل المنصب على مضض حتى لا يئول إلى من ليس أهلًا له. وقد كان هذا موقفًا يُحمد له ولا يُذم عليه، ويعبر عن إيجابية الرجل وحرصه على الصالح العام على الرغم من بلوغه من العمر مبلغا، فالمُصلِح لا يعيش في برج أو صومعة معزولًا عن الناس ويضع رأسه في الرمال كالنعام، بل يتفاعل مع قضايا مجتمعه، وهؤلاء هم العلماء العاملون.

السلطان يلقاه واقفًا

ومهما يكن من أمر، فقد باشر ابن دقيق العيد القضاء بنزاهة وعفة، وقيام في الحق، وصلابة في الحكم، وكان إذا تخاصم إليه أحد من أهل الدولة بالغ في التشدد والتثبت، فإن سمع ما يكره عزل نفسه، وفي كل مرة كانوا يعيدونه تارة أخرى، فقد عزل نفسه في يوم وأُعيد في اليوم الثاني، ولما عاد قام السلطان المنصور لاجين له واقفًا، فصار يمشي الهوينَى — ولم يعبأ بوقوف السلطان له — حتى وصل إلى السلطان وجلس إلى جواره؛ حتى لا يجلس دونه، في رباطة جأش وثقة في نفس.

دوره في إصلاح القضاء

لعب هذا الإمام دورًا مهمًّا في إزالة مجموعة من البدع والمحدثات التي درج عليها القضاة ولم يكن لها أصل من الدين، متأثرًا في ذلك بأستاذه العز بن عبد السلام الذي كان له صولات وجولات مع أمراء المماليك والبدع التي سادت في عصره؛ ولذلك صُنف ابن دقيق العيد وأستاذه كأبرز مجددين في القرن السابع الهجري، على اعتبار أن التجديد هو إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات.  

 ومن الثوابت التي درج عليها القضاة وثار عليها ابن دقيق العيد عندما كان قاضيًا للقضاة لبسُ القضاة للحرير، فمنعهم من ذلك، وفرض عليهم لبس الصوف، وحتى يكون قدوة في ذلك بدأ بنفسه؛ حتى لا يترك مجالًا لخوض الخائضين. وقد استمر العمل بهذا التقليد فترة طويلة، وكان منطلقه «من لَبِس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة».

كما انتزع في أيام ولايته كثيرًا من الأوقاف الخيرية كانت قد أُخرجت إقطاعات لأهل الحظوة، وكان يُرتب مع الأوصياء من يُباشر أحوالها ويطالعه بها، وكان يقول: «ضابط ما يُطلب مني أن يجوز شرعًا ولا أبخل». وكان يكتب إلى القضاة يعظهم ويوصيهم بالعمل الصالح، ومراعاة العدل، ويرسل لهم رسائل طريفة جامعة يرسم لهم الطريق، وخاصة قضاة الشرع الذين حملوا أمانته ولم يؤدوها، ويبين لهم ما يترتب على ذلك من عذاب في الدنيا والآخرة، ويضرب لهم الأمثال بأحوال السلف الصالح وأقوالهم.

عقل واعٍ وفكر متفتح

هكذا كانت حال هذا الإمام المصلح المجدد مع القضاء، جاء بأشياء لم يسبقه إليها في عصره أحد، باستثناء أستاذه العز بن عبد السلام. كما كان رفيع المقام في مجال العلم الشرعي، لا سيما علما الحديث والفقه، حتى قال عنه فتح الدين محمد اليعمري: «إنه كان حجة عصره في معرفة علل الحديث». ومن أشهر كتبه في هذا المجال كتاب "الإلمام" الذي قال عنه تقي الدين بن تيمية: «إنه كتاب الإسلام». كما كان حسن الاستنباط للأحكام والمعاني من القرآن والسنة بعقل واعٍ وفكر متفتح سبق بهما عصره، وقد ساعده على ذلك ما درسه من العلوم العقلية والنقلية.

وأخيرًا، قال فيه الإمام السيوطي شعرًا:

والسابع الراقي إلى المراقي  ***  ابن دقيق العيد باتفاق

فرحمة الله على ابن دقيق العيد.