Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

الحسن بن الهيثم

يعد محمد بن الحسن بن الهيثم من أجلِّ علماء الطبيعة والبصريات الذين أنجبتهم البشرية، حتى اعتبره جورج سارتون «أكبر عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة، بل أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، ومن علماء البصريات القلائل المشهورين في العالم كله»، وقد تبوَّأ ابن الهيثم بين علماء أوروبا منزلة كبيرة، واشتهر بينهم باسم "الهازن" Al-Hazin، و"الخازن" Al-Khazin، وهما تحريف لكلمة "الحسن".

ولم يبرز ابن الهيثم في علم الطبيعة فقط، بل برع أيضًا في علوم أخرى كثيرة؛ منها: الفلك، والهندسة، والفلسفة، والجغرافيا، والمنطق؛ فاعتبر بذلك عالمًا موسوعيًّا؛ ولذلك لن نستطيع أن نكفيه حقه في مقال واحد، وسنكتفي بإلقاء نظرة سريعة على حياته ودوره في علم البصريات والضوء.

في معية الحاكم بأمر الله

ولد ابن الهيثم سنة 354ه-965م بالبصرة، ونشأ وتربى بها، واشتغل بالوزارة لبعض ولاة البصرة، ثم ترك العمل بالوزارة نهائيًّا، وانقطع إلى الاستزادة من العلم والتأليف، وارتحل من أجل طلب العلم، فزار فارس والأهواز والشام، ثم ارتحل إلى القاهرة بعدما طلبه الحاكم بأمر الله الفاطمي لتنفيذ فكرته بإقامة سد يختزن به ماء النيل في موضع الجنادل قبلي مدينة أسوان، لكنه أحس بفشل فكرته بعد دارسته للموقع، وعدم توافر إمكانيات تساعده على تنفيذها.

انشغل ابن الهيثم عن طلبه للعلم فترة عمله في الدواوين للحاكم الفاطمي، لكنه عاد مرة أخرى إلى نشاطه العلمي بعد وفاة الحاكم، فأوى إلى الجامع الأزهر وأخذ ينسخ كتب الرياضيات والفلك؛ ليعيش من ثمنها. وأثناء تواجده بمصر، قام بعدة سفريات إلى خارجها، وبقي على هذا الحال حتى وافته المنية بمصر سنة 430ه/1038م.

كتاب المناظر

صنف ابن الهيثم عددًا كبيرًا من الرسائل والكتب — قاربت المائتين — في مختلف العلوم؛ منها: تهذيب المجسطي، المناظر، مصادرات إقليدس، الأشكال الهلالية، صورة الكسوف، واختلاف منظر القمر، وأهم مؤلفاته كتاب "المناظر"، الذي ضمَّنه الكثير من النظريات المبتكرة في مجال البصريات؛ مثل: كيفية الإبصار، وأخطاء البصر، والانعكاس، والانعطاف، وأنواع المرايا ... ولأهمية هذا الكتاب انتشر بصورة واسعة في القرون الوسطى حتى ترجم عدة مرات إلى اللاتينية.

كما كان له تأثير واضح في علماء أوروبا؛ حيث اعتمدوا عليه بشكل رئيس عند تأليفهم في علم البصريات؛ ومنهم: روجر بيكون (1294م) الذي نقل في كتابه (التأليف الكبير) فصلًا عن الضوء من ابن الهيثم، والإنجليزي روبر جروستست (1253م)، والإنجليزي جون بكهام (1292م)، الذي يعد أحد علماء الرياضيات والطبيعة، وألف رسالة في "المناظر" قرر فيها أن مصادره الأساسية كانت كتب ابن الهيثم.

الإبصار

وتعد نظرية ابن الهيثم في كيفية الإبصار أشهر نظرياته وأعظم مآثره، وبها أبطل النظرية اليونانية التي كانت شائعة حتى عصره، التي كان مفادها أن الإبصار يتم من خلال شعاع يخرج من العين إلى الجسم المُبصَر، فنفى هو ذلك بإن الشعاع يأتي من الجسم المرئي إلى العين؛ حيث يتم الإبصار إذا توفرت شروط معينة؛ وهي: أن يكون الجسم المرئي مضيئًا إما لذاته أو بإشراق ضوء من غيره عليه، وأن يكون بينه وبين العين مسافة، وأن يكون بين كل نقطة من سطح المرئي وبين العين خط مستقيم غير منقطع بشيء كثيف.

ومن منجزاته أيضًا ذكرُه السائل المائي، والسائل الزجاجي، وعدسة العين، كما نعرفها الآن، وكان أول من ميَّز بين أعضاء العين المختلفة: القرنية، والمشيمة، والشبكية، والصلبة.

البيت المظلم

وسجل كذلك الهالي المضيء من الشمس على حائط في غرفة مظلمة من خلال ثقب في خشب الشباك، وكان هذا أول ذكر للبيت المظلم camera obscura أساس التصوير الضوئي كله، كما يقرر الأستاذ سنجر.

ويقول الأستاذ مصطفى نظيف: إن البيوت المظلمة ذات الثقب قد ذكرت كثيرًا في أقوال ابن الهيثم، وهي تطابق الجهاز المسمى في كتب الضوء الابتدائية "الخزانة المظلمة ذات الثقب" ... وقد نسبت هذه الخزانة إلى الإيطالي دلابورتا، الذي أورد وصفها في كتابه "السحر الطبيعي أو التأثير الكبير الطبيعي" سنة 1589م، ولكن ابن الهيثم سبقه إلى هذا بحوالي ستة قرون ... ويتضح أنه أخذها منه، خاصة أن أفكار ابن الهيثم كانت شائعة في أوروبا ابتداء من القرن الثاني عشر.

الضوء

وينقسم الضوء عند ابن الهيثم إلى قسمين؛ الأول: سماه الضوء الذاتي؛ وهو الذي ينبعث من الأجسام المضيئة بذاتها، مثل ضوء الشمس وضوء النار، والثاني: سماه الضوء العرضي؛ وهو الذي ينبعث من الأجسام غير المضيئة بذاتها، ومع ذلك فإن خواص هذين النوعين من الضوء متشابهة في إشراقها على شكل خطوط مستقيمة ومتشابهة من حيث القوة والضعف، تبعًا لزيادة القرب أو البعد.

ويبرهن ابن الهيثم على أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة من خلال ملاحظة أن أشعة الشمس النافذة إلى غرفة مظلمة فيها غبار تتجه اتجاهًا مستقيمًا.   

الهازن

يقول الأستاذ سنجر عن كتاب ابن الهيثم "المناظر": «بعيد جدًّا عن أن يكون له مثيل بين مؤلفات اليونان جميعًا».

أما ماير هوف فيقول: «إن ابن الهيثم قد استطاع أن يقترب جدًّا من الاكتشاف النظري للعدسات المكبرة التي صنعت في إيطاليا بعد ذلك بثلاثة قرون ... وإن علم البصريات وصل إلى الأوج بظهور ابن الهيثم المعروف في الغرب باسم الهازن».

ويقول بروکهاوس: «لقد نقل كتاب "المناظر" لابن الهيثم إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي، وبقي الكتاب المعتمد منذ أيام فيتلو وروجر بيكون إلى أيام يوهان كبلر (1630م)».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع للاستزادة

- ماهر عبد القادر محمد، الحسن بن الهيثم وتأسيس فسلفة العلم، الإسكندرية، 1997م.

- محمد الصادق عفيفي، تطور الفكر العلمي عند المسلمين، القاهرة، 2010م.