Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

هل من تعارض بين الإسلام والتقدم الحضاري؟ (2/ 2)

الإسلام هو دين العلم والمعرفة، ودين التقدم الحضاري والعمران، ولا يأبى على أتباعه أن يصنعوا لأنفسهم وحياتهم ما يدفعهم قُدمًا إلى الأمام، بل إنه أمَر بإعداد القوة ليكون المسلمون أقوى وأقدر على دفع كل عدوان يتربَّص بهم الدوائر، قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، كما أمر الإسلام أتباعه بالسير والنظر في ملكوت السموات والأرض، وفيما بثَّ الله في ملكوته من آيات. ومعلوم أن الحضارة الإسلامية التي تبوَّأت مكانتها العالمية على ظهر الأرض لم تكن وليدة الصُّدفة، ولم تنبعث من فراغ، وإنما أخذت وضعها في المجتمعات الإنسانية لأنها قامت على فكر مستنير استمدَّ رشده وهداه من ينابيع الإسلام الأصيلة.

الحضارة الإسلامية ومصادرها الثقافية والفكرية

أما ما يتصل بالفكر والثقافة، فإن لنا أصول ثقافتنا التي ترتكز على الوحي الإلهي فيما يتصل بالشئون الدينية، والوحي الإلهي مصون من أيِّ زلَلٍ أو شطط؛ لأنه معصوم، وأما الفكر البشَري فهو قابل للخطأ والصواب؛ فمَن حاول أن يأخذ من غير أصول الإسلام ضلَّ، وما تسرَّب الغزو الفكري إلى البيئة الإسلامية إلا في فتَرات الضعف التي انتابت الأمة فترات وفترات.

وواضحٌ أن القرآن الكريم دستور حياة، وتبيان لكل شيء، وهدًى ورحمة للعالمين، كفل للبشرية سعادتها دنيا وآخرة؛ فمَن حاول التقدُّم عن غير طريقه ضلَّ ضلالًا مُبينًا، وفي الحديث: «ومن ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله» [رواه الترمذي]. وللسُنَّة النبوية المشرَّفة فضلها؛ فهي مفصِّلة لمجمَل القرآن، وموضِّحة لمبهمه، ومقيِّدة لمطلقه، ومخصِّصة لعامه، وشارحة لأحكامه، وفيهما معًا الأمانُ من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والأمانُ من الانحراف والضلال، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتابَ الله وسنَّتي» [رواه الحاكم].

وإن في القرآن والسنة غناء للفكر الإسلامي وللثقافة الإسلامية، يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]. وقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من الخروج عن دائرة الكتاب والسنَّة، وأرسى مناهج الحياة الثقافية الإسلامية الصحيحة؛ حتى لا يتخبَّط أحد في دياجير الظلمات الفكرية أو التيارات المغرضة.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أَتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكُتب، فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فغضب فقال: «أَمتهوِّكون [أي مُتشكِّكون] فيها يا ابن الخطَّاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاءَ نقية. لا تسأَلوهم عن شيء، فيخبروكم بحقٍّ فتكذبوا به، أو بباطل فتصدِّقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى عليه السلام كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتَّبعَني» [رواه أحمد]. هذا فيما يتعلق بالدين والعبادة وأمر الثقافة الإسلامية.

الابتكار والتقليد

أما ما يتعلق بعالم الصناعات والمكتشفات الحديثة، فالإسلام حثَّ على أخذ العلم والتقدم والحكمة حيث وُجدتْ؛ «فالحكمةُ ضالَّة المؤمن؛ أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها» [رواه الترمذي]، لا يعنيه من أيِّ وعاء خرجَت. وقد أمَرنا دينُنا أنْ نأخذ النَّافع وأن نطرح الضارَّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكن أحدكم إمَّعة يقول: إن أحسن الناسُ أحسنتُ، وإن أساءوا أسأتُ، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساءوا فلا تَظلموا» [رواه الترمذي].

ومِن أهمِّ ما يتميز به التقدُّم الحضاري في ظل الإسلام أنه يعمل على الاستقرار والأمان والتواصل والتعارف بين الجميع، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. والتقدم الحضاري في ظل الإسلام لا ينحو إلى الصراع أو الصدام، بل إلى التعاون والتدافع، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251].

ويسعى التقدم الحضاري في ظل الإسلام إلى البناء والتعمير، وليس للهدم أو التدمير؛ لأن الحضارة الإسلامية لم تَقُم كالحضارات الأخرى على الجانب المادي فحسب، بل قامت على الجانب الروحي والديني والقيمي مع الجانب الماديِّ في توازنٍ واتِّفاق وانسجام، ودون أن يطغى جانبٌ على جانب آخر.

ولذا يشهد التاريخ أن المسلمين لم يكونوا طرَفًا في الحروب العالمية؛ لأن الإسلام هو دين السلام، ويدعو الناس إلى أن يدخلوا في السِّلم عامَّة.

التعايش السلمي والحضاري

ومما لا شك فيه أن للقيم الدينية والمبادئ الإسلامية الروحية أكبر الأثر في صيانة الحضارة من أيِّ شطط، وإنما الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والعمل من أجل الصالح العام؛ لأن الرسالة التي تسير في ضوئها هي رسالة الرحمة، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالرحمة، بل هو نفسه رحمةٌ مُهداة، ونعمةٌ مُسداة مَنَّ الله سبحانه وتعالى به على المؤمنين، وبَعَثه رحمةً للعالمين، وقال رب العزة جلَّ شأنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وإذا كانت عظمة الحضارة الإسلامية على هذا النحو، فإن سيادة هذه الحضارة وريادتها فيها الأمان الحقيقي للعالم المُفزَّع بالحروب، وفيها التعايش السِّلمي والحضاري؛ حتى لا يخدعنا الانبهار بغَيرنا.

إنَّ لدى أُمِّتنا مخزونًا ثقافيًّا ومشروعًا حضاريًّا يتضمن كل خصائص الثبات والاستقرار على هُويتنا، وعدم الذوَبان في الآخَر، ولكن المهمَّ هو العمل والإخلاص، ومضاعفة الإنتاج والتقدم العلمي والحضاري الذي حثَّ عليه الإسلام؛ لأن الأنساق الثقافية لحضارتنا تتميِّز بأنها إنسانية وعالَمية، جوهرها الرحمةُ والبرُّ والتعايش والتسامح والأُخوَّة التي تَحمي حقوقَ الإنسان، وتصون كرامةَ كلِّ آدميٍّ، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: مجلة حراء، العدد10، السنة3، (يناير-مارس) 2008م.


انظر أيضًا
هل من تعارض بين الإسلام والتقدم الحضاري؟ (1/ 2)