Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

القدس .. تاريخ يتجدد خلف أسوار عتيقة

هنا القدس، مدينة السلام، التاريخ المختبئ في آثارها، والمتجدد في أثرها، خلف أسوارها العتيقة، الممتدة بجذورها إلى أكثر من 5 آلاف سنة. لا بد من الاعتراف بادئ ذي بدء بأن الحديث عن القدس، بما في ذلك التاريخ والتراث والآثار والأديان، يعد مهمة ليست بالسهولة كما تبدو؛ فهذه المدينة تحتضن تاريخًا وعراقة عصيَّة على الحصر، لن يُوفَّى حقها في مجلدات ضخمة.

لقد أسس هذه المدينة الفلسطينية، التي يقطنها حوالي المليون ونصف المليون نسمة، الكنعانيون العرب، وكما في جل البلدان، فإن العاصمة دائمًا ما تعتبر مدينة سياسية، إلا أن الحال في هذه المدينة أكثر من ذلك؛ فهي القبلة الأولى، ومهد الثقافة، وبيت الجمال، ومدينة مقدسة لها مكانة فريدة لدى أتباع الديانات السماوية الثلاث: الإسلام، والمسيحية، واليهودية.

فاليهود يزعمون أن النبي داود فتحها ثم جعل منها عاصمة لمملكة إسرائيل، ثم بنى ابنه سليمان أول هيكل فيها، أما المسيحيون؛ فيعتقدون أن النبي عيسى عليه السلام صُلب على إحدى تلالها، وغنيٌّ عن القول أن المسلمين كانوا يتجهون إليها في صلاتهم، ومنها عرج الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء.

سيكتب التاريخ أن مدينة القدس ضربت أروع الأمثلة في الشجاعة والصمود، وأثبتت جدارتها في البقاء شامخة، حتى بعد تعرضها للتدمير مرتين، وحصارها نحو 23 مرة، وتعرضها للهجوم 52 مرة، وغزوها وفقدانها مجددًا 44 مرة!

لقد أهَّلها ذلك لنيل لقب المدينة الأكثر تنازعًا عليها في العالم، والتي قل أن تنعم بوقت يسوده السلام، مع أنها هي المدينة التي تحمل لقب «مدينة السلام».

دعك من أنها أمدت — منذ الأزل — مخططي المدن والمصممين برؤًى جديدة حول التخطيط العمراني، فهذه المدينة محكمة البناء، فيها كل التضاريس، هضاب وأودية، أراضٍ وعرة ومستوية، غابات وأراضٍ مكشوفة، وتراث مدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، فضلًا عن طرازها المعماري الفريد.

ثمة مسألة أخرى أثارها حديثي عن معالم المدينة، وهي غناها بالمعالم التاريخية؛ إذ يُحسد المقدسيون على هذا التراث العريق، فإلى جانب الأسوار التي تحيط بالقدس القديمة بما مساحته كيلومتر مربع واحد، تضم المدينة أحياء (حارات) صغيرة، مقسمة إلى مجموعات سكانية منسجمة في بيئتها الاجتماعية والدينية، تفصل بينها زقاق متعرجة ضيقة يفوح منها عبق التاريخ.

وإذا استثنينا المسجد القبلي وقبة الصخرة (جزأين أساسيين من المسجد الأقصى)، فإن غالبية مساجد ومآذن المدينة تعود للعصر المملوكي، طال بعضها معاول الهدم، كما أن فيها أكثر من مائة بناء أثري إسلامي.

وتضم القدس أيضًا كنيسة مريم المجدلية ذات القباب الذهبية، وكنيسة القيامة الشهيرة، المشتركة بين ثلاثة طوائف؛ هي: الرومان الكاثوليك، الروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس. ومما يثير الدهشة أن عائلة مقدسية مسلمة تحتفظ بمفاتيح هذه الكنيسة؛ لخلاف وقع بين أبناء الطوائف الثلاث، ولا تزال العائلة تتوارث المفاتيح منذ العهد العثماني حتى يومنا هذا.

أما بوابات بلدة القدس القديمة، فلها حكاية أخرى، فهي سبع بوابات، أجملها باب دمشق، أو باب العمود، شيدها السلطان العثماني سليمان الأول عام 1542م، وباب الأسباط في السور الشرقي للبلدة، ويتميز بوجود نقوش أربعة لنمور، نُقشت بأمر من السلطان سليمان كنصب يُخلِّد ذكرى انتصار العثمانيين على المماليك في بلاد الشام، وباب داود؛ وهو البوابة التي تتخذ شكل زاوية قائمة على سور البلدة، ويُعتقد أن بناءها على هذا الشكل جاء لأغراض دفاعية. أما باب الساهرة، البوابة التي تُجاور حارة المسلمين، وتبعد مسافة قصيرة عن باب العمود، فيعتبر إحدى أحدث بوابات البلدة القديمة، وهناك ثلاثة أبواب: المغاربة، الخليل، الحديد، لا تقل جمالًا عن سابقاتها.

ولك أن تتخيل كيف تجتمع الأديان والقداسة والثقافة في مكان واحد، تمثل تعايشًا حقيقيًّا قلما تجد له مثيلًا؛ فهي المدينة الوحيدة التي يقدسها أهل الديانات السماوية الثلاث، وعاشت صراعًا حوله لا نزال نعيش تبعاته.

وعندما نعود بالذاكرة إلى القدس ومكانها في القلب، نستطيع القول إنه رغم المسافات الجغرافية المتباعدة إلا أن الجميع تربى على حب هذه المدينة، وعلى تذكرها دائمًا في الدعاء والأحاديث، وعلى الشوق لها رغم أنه لم يزرها، حتى إن كثيرًا من المنازل تحتفظ بصورة أو أكثر لمسجدها الأقصى.

ولعل هذه الرؤية الكاملة للصورة تضيف حزنًا آخر على ما آلت إليه الأمور، فعلى امتداد السنين من الصراع العربي الإسرائيلي أفنيت الكثير من الأرواح، وبددت معالم أثرية شاهدة على تاريخ هذه المدينة، مثل هدم حارة المغاربة الملاصقة لحائط البراق إثر هزيمة عام 1967م، والحفريات العميقة تحت المسجد الأقصى، التي تهدد بانهيار أساساته وانهياره تمامًا، وأصبحت حقيقة شاخصة لكل ذي عينين.

لقد كانت القدس عند صلاح الدين الأيوبي تعني «كل شيء»، وفيها يقول الأديب محمد نصير: «والله لا أدري إن كانت القدس في القلب أم القلب في القدس .. ردُّوا عليَّ قُدسي وقلبي». وهذا —بدقة — حقيقة الشعور الإسلامي الجمعي نحو القدس .. والذي يلهج بالدعاء دائمًا: «ربِّ لا تحرمنا زيارتها والصلاة فيها قبل الممات».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: المجلة العربية، العدد 476، الرياض، رمضان 1437ه/ يونيو2016م.