Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

من صور إيجابية الصحابة في خدمة الإسلام

الإيجابية مبدأ في الحياة تحيا به النفوس العظيمة، وتدرك من خلاله رسالتها وواجبها نحو ما تؤمن به وتحيا له من القضايا. وقد تربى المسلمون الأوائل على هذا المفهوم الرباني؛ ففي القرآن الكريم وقصصه دعوة للإيجابية، وما كانت قصة الهدهد الذي دل نبي الله سليمان على أمة تعبد الشمس من دون الله، واستنكاره لذلك، ثم مراسلة سليمان لهم واستجابتهم لدعوة الإسلام مع سليمان لله رب العالمين إلا صورة من صور الإيجابية في نشر الدعوة والعناية بهداية الناس إلى طريق الله.

وما كانت قصة النملة مع سليمان عليه السلام إلا صورة من صور الإيجابية تجاه المجتمع ورعاية مصالحه، وحمايته من المخاطر، وإن كانت في أمة النمل، وما قصة مؤمن آل فرعون إلا دعوة للإيجابية في تناول قضايا المجتمع وعلاج مشاكله بما يحفظ للناس حقوقهم. هكذا تربى جيل من الصحابة على هذه القيمة فكانوا نماذج فريدة بين الورى.

نماذج فريدة من إيجابية الصديق

لما شرح الله صدر الصديق للإسلام، أصبح أُمةً في نصرته؛ مواساة بماله للنبي، وشراء للمستضعفين من المسلمين رجالًا ونساء، ووقوفًا في وجه شبهات المشركين في حادثة الإسراء والمعراج قائلًا: «أُصدِّقه في خبر السماء! أفلا أصدقه فيما هو أقل من ذلك؟!»، وحماية للنبي ومواساة في رحلة الهجرة. فلما قبض الله نبيه، وانهار الناس وضعفوا، وعمت الردة بقاعًا من بلاد المسلمين، كان الصديق للأمة حارسًا، وعنها مدافعًا بنفس كبيرة شعارها: «والله لا ينقص الدين وأنا حي، والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة»، وما زال يرد البغاة بعزيمته حتى استقامت الأمة، واستقرت أحوالها، وتوجهت جيوشها تلاقي جيوش كسرى وقيصر.

رجل يشتت الأحزاب ويفرق جمعهم

كان نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني النجدي من دهاة العرب وأذكيائهم، وكان ممن أحبوا متعة الحياة فعاش حياة السرف والبحث عن الملذات، وربما كان ذلك سببًا في تأخر إسلامه؛ خشية أن يحجبه الإسلام عما تعود عليه من عادات جاهلية. وفي العام الخامس من الهجرة، حشدت قريش العرب وجمعت الأحزاب؛ لقتال النبي ومن معه، واستئصال شأفة الإسلام، بل وسَعتْ ومن معها لضم يهود بني قريظة إليهم، وإضعاف موقف المسلمين وتضييق الخناق عليهم.

كان نعيم بن مسعود مع قومه غطفان في حصار المدينة، فشرح الله صدره للإسلام، فأخفى ذلك وانتظر حتى تمكن من الدخول على النبي ومبايعته، عارضًا عليه أن يخذل الأحزاب ويفشل جمعهم؛ فوافقه، فذهب إلى بني قريظة فأخبرهم بحبه لهم ونصحه إياهم، وذكرهم بضعف موقفهم إذا انسحبت قريش وجموع العرب وخلوا بينهم وبين محمد، وأنهم لا طاقة لهم به وقد خانوا عهده وتحالفوا مع الأحزاب، واقترح عليهم أن يأخذوا من سادات قريش وغطفان رهائن يكونون عندهم ليعلموا جدية الأحزاب في حلفهم ودفاعهم عنهم.

ثم انتقل نعيم إلى قريش وغطفان مذكرًا لهم بمكانتهم عنده ونصحه لهم وهم قومه، محذرًا من غدر اليهود، ويذكر لهم علمه بأنهم ندموا على خيانتهم للنبي، ودلل على ذلك بأنهم ربما طلبوا من القوم رهائن يسلموها لمحمد دليلًا على صدق عودتهم لعهدهم معه.

أثمرت بذور الشك التي زرعها نعيم بن مسعود بين الفريقين، فأرسلت قريش تطلب وفاء بني قريظة بتحالفها معهم، وطلب اليهود رهائن ليكونوا عندهم، فأدركت قريش وغطفان صدق نعيم، فدب الخلاف بين اليهود والأحزاب وضعف موقفهم، وكان ذلك من أسباب خذلانهم وارتحال الأحزاب، وهزيمة بنو قريظة بعد مدة يسيرة من رحيل الأحزاب، وحققت حيلة نعيم بن مسعود وتحرُّكه ما كانت تعجز عنه الجيوش إذا بقي هذا الحلف البغيض بين الأحزاب وبني قريظة.

قوة في الحق وحصار للشرك وجهاد لأهل الردة

كان ثمامة بن أثال من سادة بني حنيفة، ومن أشد أهل اليمن كرهًا للنبي ورغبة في القضاء عليه. وفي العام السادس للهجرة، أرسل النبي إليه ضمن من راسلهم من الأمراء والملوك يدعوه للإسلام؛ لكنه أبى وأساء الرد، بل وحاول قتل النبي، وقتل من صحابة النبي رجالًا، فأهدر النبي دمه.

وبعد أشهر، أسر بعض أصحاب النبي رجلًا بالقرب من المدينة كان متوجهًا إلى مكة، فلما أحضروه عرف النبي من صفته أنه ثمامة، فأمر بحبسه وإطعامه والإحسان إليه وهو يرجو إسلامه.

بين النبي وثمامة

عرض النبي على ثمامة الإسلام، فقال ثمامة: «عندي يا محمد خير ... فإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تُعط منه ما شئت». ظل النبي يدعوه إلى الإسلام، وثمامة لا يزيل عن قوله السابق، حتى إذا انقضت ثلاثة أيام قال النبي للصحابة: «أطلقوا ثمامة»، ففكوا وثاقه وتركوه.

مضى ثمامة حتى خرج من المدينة، فاغتسل وتطهر ثم أقبل على النبي مُسلمًا قائلًا: «والله يا محمد، ما منعني أن أجيبك إلى الإسلام إلا أن يظن الناس أني ما أسلمت إلا خوفًا من القتل، والله كنت أنت أبغض الناس إليَّ، فأصبحت أحبهم إلى قلبي، ووالله لأنالنَّ من المشركين أضعاف ما نلتُ من أصحابك».

أول عمرة في الإسلام

استأذن ثمامة النبي أن يعتمر، فعلمه النبي الشعائر، وانطلق ملبِّيًا، فلما دخل مكة وسمعت قريش النداء والتلبية خرجت بسيوفها، فإذا ثمامة يعلن إسلامه واتِّباعه محمدًا، ويتوعد قريشًا بأشد الوعيد، والمشركون لا يقدرون على أن ينالوه بسوء، فتجارتهم تذهب إلى اليمن وهو سيد من سادات بني حنيفة.

أول حصار اقتصادي للمشركين

لما وصل ثمامة اليمن، دعا قومه للإسلام، فأسلم معه خلق منهم، ومنع القمح والطعام أن يصل إلى قريش، وقد اشتد ذلك على قريش، فأرسلت إلى النبي تستعطفه وتذكر ما نالها من شدة الجوع وقلة الطعام، وتنشده الله والرحم أن يأمر ثمامة بكف الحصار عنهم، فأرسل إليه النبي ومنعه من تجويعهم.

ثباته عند الردة

لما ارتدت جموع من بني حنيفة واتبعوا مسيلمة الكذاب، انبرى لهم ثمامة فأعاد منهم ثلاثة آلاف إلى الإسلام بثباته وعقله وحجته، وقاتل المرتدين من قومه، حتى إذا انقضت فتنة مسيلمة صحب العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، فقاتل المرتدين وارتقى هناك شهيدًا، بعد أن نصر الإسلام حياته كلها، ضاربًا أروع الأمثلة في إيجابية المؤمن ونصرته لدينه.

وبعد، فإن الإيجابية من أعظم قيم الإسلام تأثيرًا في حياة أتباعه وحياة من يتعاملون معهم من الناس، والمسلم الإيجابي يدرك ما يجب عليه تجاه دينه وإنسانيته، كما يدرك ملكاته وقدراته، ويترجم ذلك إلى سلوك يحقق الأهداف المنشودة، وشعاره قول القائل:

    إذا القوم قالوا: مَن فتًى؟ خِلتُ أنني  ***  عُنيتُ فلم أكسل ولم أتبلَّد