Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

هل من تعارض بين الإسلام والتقدم الحضاري؟ (1/ 2)

الإسلام هو دين العلم والمعرفة، ودين التقدم الحضاري والعمران، ولا يأبى على أتباعه أن يصنعوا لأنفسهم وحياتهم ما يدفعهم قُدمًا إلى الأمام، بل إنه أمَر بإعداد القوة ليكون المسلمون أقوى وأقدر على دفع كل عدوان يتربَّص بهم الدوائر، قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، كما أمر الإسلام أتباعه بالسير والنظر في ملكوت السموات والأرض، وفيما بثَّ الله في ملكوته من آيات.

ومعلوم أن الحضارة الإسلامية التي تبوَّأت مكانتها العالمية على ظهر الأرض لم تكن وليدة الصُّدفة، ولم تنبعث من فراغ، وإنما أخذت وضعها في المجتمعات الإنسانية لأنها قامت على فكر مستنير استمدَّ رشده وهداه من ينابيع الإسلام الأصيلة.

فقد منح الله تعالى الإنسان عقلًا مفكرًا يميز به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وليفكر ويتدبر، ويبحث وينقِّب، ويكتشف ويتقدم في هذا الكون الفسيح.

المنهج التجريبي عند المسلمين

وإلى جانب هذه المنحة الربانية وهي العقل منح الله سبحانه وتعالى الإنسان سمعًا وبصرًا وفؤادًا، وجعله مسئولًا عما منحه إياه، فقال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

وقد اضطلع رجال أفذاذ من أُمّتنا الإسلامية بمهمة البحث والاكتشاف، وكانت لهم مناهجهم التجريبية التي اعترفت بها أوروبا، ولا تزال مَدينةً لهم بها حتى الآن، ومن هؤلاء: الرازي وابن سينا في الطب، والكندي في الرياضيات، وجابر بن حيّان في الكيمياء، وابن الهيثم في الطبيعة.

ويقول الأستاذ بريفولت في كتابه "بناء الإنسانية": «ليس لروجيه باكون ولا لفرانسيس باكون، الذي جاء بعده، الحقُّ في أن يُنسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبـي؛ فلم يكن باكون إلا واسطة من وسطاء العلم والمنهج الإسلاميينِ إلى أوروبا، وهو نفسه لم يملَّ قط من التصريح بأنَّ تعلُّم معاصريه في أوروبا اللغة العربية وعلوم المسلمين هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة».

تلك كانت نظرتهم، وذلك اعترافهم، وإلى أي مدى أدركوا أهمية اللغة العربية كطريق للمعرفة الحقة. أين هذا من إهمال الكثير من العرب للغتهم؟ وأين هذا من أولئك الذين يَدعُون للعامية، بل ويتحدثون بها ويهجرون اللغة العربية في الكثير من الأحاديث في وسائل الإعلام المختلفة؟ وأين هذا من الأُمّية التي فشَتْ في بعض المواقع ولا تزال؟

نعمة العقل

لقد آن الأوان أن يُقضى على الأمية، وأن يأخذ المسلمون طريقهم إلى العلم والمعرفة، وإلى الثقافة الأصيلة والحضارة الإسلامية العريقة التي أسَّسها أسلافُنا.

إن المسلمين إذا تأخروا فهذا نتيجة إهمالهم وتفريطهم في تراثهم، وليس الذنب ذنب الإسلام؛ فالإسلام هو دِين العلم، حثَّهم عليه وأمَرهم بالبحث والنظر، وأولى آياته: {اقْرَأْ} [العلق: 1] دعوة للعلم والمعرفة، وقد جعَل الله تعالى لهم الأرض مَهدًا، وسلك لهم فيها سُبلًا.

ولطالما تفشت دعاوى زائفة أثارها أعداءُ الإسلام في القديم وفي الحديث بأن الإسلام يتعارض مع التقدّم الحضاري، وأن المسلمين متأخرون. وقد وضح لنا مما سبق كيف حثَّ الإسلامُ أتباعَه وجعلهم مسئولين عمَّا منَحهم إياه من نعمة العقل والسمع والبصر والفؤاد.

كم انطلقت دعاوى أخرى تقول بضرورة أخذ الحضارة الحديثة بحذافيرها، ودعوات ينادي أصحابها برفض الحضارة الحديثة! وآخرون يرون أنهم معتدلون يقولون نأخذ منها الصالح ونترك غيره، ولكنها آراء إذا طُرحت على بساط البحث والمناقشة لا يبقى منها شيء؛ فالقول بأخذ الحضارة الحديثة جملةً مرفوض؛ لأن فيها ما ليس بصالح، ولأن فيها ما يتعارض مع روح أمة لها شخصيتها ومكانتها.

أما القول بتركها جملةً، فلا يتفق أيضًا بحال؛ إذ إن هناك أشياء في تلك الحضارة أصبحت من ضرورات الأفراد والمجتمعات، والقول بأخذ الصالح منها أيضًا لنا عنده وقفة؛ لأن تحديد الصالح وغير الصالح سيختلف من عقل لعقل، ومن فكر لفكر، ومن بيئة لبيئة. نقف بعد ذلك لنقول: فما الحلُّ؟

والإجابة على هذا أنَّ في الإسلام كما سبق نهوضًا وتقدمًا، وأن العقل الإسلامي يدين له العالم الحديث بحضارته، فلْيَسِر الفكر الإسلامي المستنير بعلمائه وخبرائه، وليأخذ مسيرته الموفقة موصولة من الخلَف بالسَّلَف؛ إذ ليس في الإسلام تعارُض بحال من الأحوال مع الحضارة والتقدم والنهوض، بل إنه أمَر بالسير والنظر والعلم والمعرفة، كما سبق، فالحضارة المادية والحياة المعملية بمخابرها وأدواتها وكل أجهزتها ومعاملها وصناعتها لا تتنافى مع الإسلام، بل تتفق معه، ويدعو إليها.
يتبع .............. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: مجلة حراء، العدد10، السنة3، (يناير-مارس) 2008م.