Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

معركة القادسية (1/1)

 شغلت حروب الردة الدولة حتى آخر العام الحادي عشر من الهجرة، ومع الخيوط الأولى لفجر العام الثاني عشر، كانت جيوش المسلمين تتحرك على رمال الصحراء إلى جيران شبة الجزيرة تدق أبوابها لحركة الفتوح الكبرى التي لم يعرف التاريخ لها مثيلًا. فقاد خالد بن الوليد ثمانية عشر ألفا اقتحم بهم العراق وخاض بهم خمسة عشر موقعة ظافرة، غير أن جيوشًا أخرى للمسلمين كانت تواجه بعض المتاعب في فتح الشام، فقرر أبو بكر رضي الله عنه أن يمدها بخالد ونصف جيشه في شهر صفر 13هـ.

وتوفي أبو بكر، فأرسل عمر مددًا لما بقى بالعراق من قوات حتى بلغت 12000 وأسند قيادتها إلى أبي عبيد بن مسعود الثقفي فخاض ثلاث معارك ناجحة، ولكنه في الرابعة تورط في التحام بمكان غير مناسب حصره الفرس فيه بين العوائق المائية؛ فكانت هزيمة منكرة استشهد فيها أبو عبيد وفقد ثلثي جيشه. تلك كانت معركة الجسر (شعبان 13هـ).

وتولى قيادة عمليات العراق بعد ذلك المثنى بن حارثة وهو قائد يندر مثله في التاريخ، ووصلته بعض الامداد فبلغ جيشه 8 آلاف خاض بهم معركة كبرى في البويب (رمضان 13هـ – نوفمبر 634م) كال الهزيمة فيها لجيش ضخم مدرع كله من الفرسان وحصرهم بين الأنهار وأعاد للمسلمين هيبتهم وعاد يمسك بزمام المبادأة. وقد قدر الرواة قتلى الفرس في هذه المعركة بمائة ألف!

وعلى الأثر راح المثنى يغير بوحدات جيشه القليل على أنحاء العراق من شماله إلى جنوبه في حرب استنزاف رائعة استهدفت الحصول على المغانم ولم تستهدف احتلال الأرض، وكان في ذلك على قمة الفقه الحربي فما كان لجيش في حجم جيشه أن يفعل خيرًا من ذلك، إذ حدث ما توقعه المثنى .. هجوم مضاد بقوات كبيرة من الفرس. ولم يمنحهم المثنى الفرصة! .. فقد سحب كافة قواته – دون أي التحام- من أرض العراق إلى تخوم الصحراء في أواخر ذي القعدة 13هـ يناير 635م، وأقره عمر على ما فعل ولكنه بدأ يعد لعمل جديد.

الإعداد:

بذل عمر كل ما في وسعه لحشد طاقات شبه الجزيرة للمعركة المرتقبة، واستغرق ذلك منه وقتًا طويلًا، فقد بدأ نداءه في ذي الحجة 13هـ، وبدأ توافد جنود المسلمين أتيه في محرم 14هـ، وظل عمر يرسل في طلب الجنود وهم يتوافدون حتى تحركت الحملة في شعبان 14هـ يقودها سعد بن أبي وقاص.

واستمرت الحشود تفد وعمر يبعث في أثر الحملة، كما كان سعد يحشد من القبائل التي يمر بها في طريقه حتى انضم إليه جيش المثنى بن حارثة، وقد توفي المثنى متأثرًا بجراحه من بعض المعارك السابقة وسعد في طريقه إليه، وبلغ جيش سعد نحوًا من 33 ألف فكان أكبر جيش يوجهه المسلمون لفتح العراق، وقد توقف هذا الجيش في الطريق لإجراء التنظيمات اللازمة لكافة وحداته حتى الشئون الإدارية فيه بما في ذلك القضاء والدعوة (الدعاية) والترجمة والشئون الطبية .. إلخ.

ولم يبخل عمر على هذه الحملة لا بالإمكانيات ولا بالوقت اللازم للإعداد؛ فترك العجلة تمام حتى أن الحملة التي بدأ جمعها في آخر 13هـ وبدأ تحركها في شعبان 14هـ لم تبلغ ميدان المعركة في القادسية إلا في صفر 15هـ ثم لم تبدأ المعركة إلا في 13 شعبان 15هـ.

الخطة:

وأفاد عمر من تجارب الحملات السابقة على أرض العراق فبنى خطة المعركة على نقطتين أساسيتين:

1- اختيار مكان محدد تجرى على أرضه المعركة تتوافر فيه شروط معينة:

أ- أن يكون على الحدود الطبيعية بين الصحراء وبين الشبكة المعقدة للمسالك والمسطحات المائية لأرض العراق، تجنبًا للتورط في القتال على أرض الموانع هذه، وهذا درس معركة الجسر الذي فقدها أبو عبيد.

ب- حفظ خط الرجعة لجيش المسلمين إذا دارت المعركة على غير ما يرجى، لأنه ليس وراءهم إلا الصحراء، في حين تكون هذه العوائق المائية نكبة على الفرس إذا دارت المعركة في غير صالحهم لأنها ستعوق انسحابهم، وهذا درس البويب. هذه الشروط في الموقع توافرت في القادسية.

2- أن تكون المعركة التي تدور على هذه الأرض –بعد استدراج الفرس إليها- كبيرة وحاسمة تقضي على القوة الأساسية لهم بشقيها المادي والمعنوي، فيكون من أثر ذلك أن ينفتح ما وراءها فلا يعود لهم اجتماع قوة مثلها بعدها، فإن حدث تكون صفر من الروح المعنوية وقلوبها ليس معها. البساطة دائمًا من عناصر الخطة الناجحة، وما أبسط هذه الخطة.

استنزاف وضغط:

ومنذ اللحظات الأولى التي نزلت فيها الحملة القادسية بدأت غاراتها على المناطق القريبة ثم الأبعد من القريبة. ولقد استهدفت تلك الغارات هدفين، أولهما: تموين جيش المسلمين وقاعدتهم القريبة التي عسكرت في العذيب خلف الجبهة، ونزل بها نصف ذلك الجيش من المسلمين، وهذ إذ تكفل التموين لجند المسلمين ونسائهم وأولادهم فهي في ذات الوقت تحرم الطرف الآخر منها وتنزعها منه. وثانيهما: الضغط على العدو الفارسي لإجباره على إخراج جيشه إلى هنا، إلى القادسية حيث اختار المسلمون أن تدور المعركة طبقًا لمواصفات الموقع التي مر ذكرها.

ولقد ظل الفرس المجوس يطاولون عسى أن ينصرف المسلمون عن خطتهم ولكن سعد بن أبي وقاص استمر محافظًا على خطته، ورغم ضيق المتحمسين بطول انتظارهم بالقادسية فإن سعدًا لم يخضع لذلك الضيق ولا لإلحاح المسلمين أن يتحرك إلى داخل العراق كما أنه لم يفصح عن خطته إذ كان نجاحها يتوقف على سريتها وكتمانها.

جيش الفرس:

وعلى الجانب الآخر كان يزدجر (الثالث) بن شهريار بن كسرى برويز يعمل أيضًا ما في وسعه، فكلف أبرز شخصيات فارس في الحرب والسياسة –رستم- أن يتولى قيادة جيشها في المعركة. أراد رستم أن يتملص من هذه المهمة الثقيلة ولكن يزدجر الشاب كان لجوجا ضيق الصدر فرفض اعتذار رستم وأصر على تكليفه، وأمده بوجوه رجالات فارس لقيادة وحدات جيشها تحت أمرة رستم. ذلك الجيش بلغ 120 ألفا من المقاتلين ومثلهم للخدمات وكان معهم ثلاثون فيلا من أفيال القتال مع كل فيل 2000 من الفرسان و2000 من المشاة، وقد تم جمع فرسان الجيش من الأهواز والباب وهمدان ونهاوند وسجستان والري والجبال .. أما مشاته فكانوا من فلاحي المناطق القريبة من العراق.+


اقرأ أيضًا
معركة القادسية (1/ 2)