Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

سنوات الحصار

عانى رسول الله ﷺ في سبيل الدعوة إلى ربه معاناة شديدة، وعانى معه الرعيل الأول من المؤمنين ومروا بظروف وأوقات كانت حالكة السواد، وكانت سنوات الحصار في شعب أبي طالب من أشد هذه الأوقات صعوبة، ولكن رسوخ الإيمان وصدق العقيدة جعل الرسول وصحبه الكرام يتجاوزون هذه المحنة. فما هي قصة سنوات الحصار؟

 لم يشذ سوى أبو لهب

فكر سادات قريش في سلاح جديد يحاربون به النبي ﷺ وأصحابه غير سلاح الاضطهاد والتعذيب، بعد أن يئسوا من حماية أبي طالب له، فهداهم شيطانهم إلى قتله ﷺ، فلما وصلت هذه الأخبار أبا طالب استبد به القلق على ابن أخيه فنادى في بني عبد مناف أن يناصروه في حماية محمد فلم يجبه سوى بني هاشم الذين كانوا مع بني المطلب في الجاهلية والإسلام ولم يشذ عنهم سوى أبو لهب الذي انحاز إلى سادات قريش بعد أن دخل النبي مع أهله شعبهم.

صحيفة في جوف الكعبة

فلما علمت قريش أن بني عبد المطلب وبني هاشم قد منعوا النبي منهم اجتمع أشرافهم في خيف بني كنانة وأجمعوا أمرهم على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب، ونص على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا لهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، ولا يجالسوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولا يخالطوهم، وألا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا محمدا للقتل، ثم علقوها على جدران الكعبة توكيدا على أنفسهم. وقد كتبها بغيض بن هاشم فدعا عليه النبي فشلت يده.

ثلاث سنين من البلاء

 بدأ الحصار في محرم من السنة السابعة من البعثة، وقد لبث بنو عبد المطلب وبنو هاشم في شعبهم محاصرين ثلاث سنين اشتد عليهم فيها البلاء والجهد بعد أن قطع سادات قريش عنهم الأسواق فلم يتركوا طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا سبقوهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يضيق المحاصرون ذرعا فيسلموا لهم النبي كي يقتلوه ولكن هيهات.

لولا الرحماء

ولقد عانى الهاشميون والمطلبيون معاناة شديدة حتى لجأوا إلى أكل الجلود والأوراق، وكان يُسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتألمون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، وكانوا لا يخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعون شراءها.

ولولا أن سخر الله لهم من رق قلبه عليهم لهلكوا جميعا، فكان الرجل من هؤلاء الرحماء من قريش يأتي بالبعير قد حمله طعاما أو قمحا فيسير به في جوف الليل، حتى إذا استقبل فم الشعب خلع خطام بعيره ثم ضرب على جنبيه فيدخل البعير الشعب على أهله فيخفف عنهم ما هم فيه.

 وكان أبو طالب عاقد العزم على حماية ابن أخيه، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ أن ينام على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد به مكرا. وكان أحيانا يأمر أحد بنيه أو إخوته أو بنى عمه، فيناموا على فراش رسول الله. وهكذا كان العم العظيم يحتاط للغيلة.

آيات الله في أمرين

وعلى كل حال فقد ألقى الله تعالى الصبر في قلب المؤمن والكافر من المحاصرين ثم أظهر آياته في أمرين:

أولهما: أن الأرضة جاءت وأكلت من الصحيفة كل كلمة فيها اسم الله تعالى أو صفاته التي عاهدوا الله تعالى عليه أن تكون القطيعة دائمة، وقد أطلع الله تعالى نبيه على ما فعلته الأرضة بإلهام منه.

الأمر الثاني: أنه تشققت الرحمة من قلوب هؤلاء الذين تعاهدوا على الظلم والعدوان، فإنه على رأس السنين الثلاث التي مرت ببنى هاشم تلاوم رجال من بطون قريش، من بنى عبد مناف، وقصي، ورجال من قريش، قد ولدوا من نساء من بنى هاشم، رأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم على نقض الصحيفة، والبراءة مما جاء فيها.

وبينما سيطر هذا التفكير على الملأ من قريش ذهب أبو طالب إليهم يخبرهم بأمر الأرضة التي أكلت من صحيفتهم.

آن لكم أن تقبلوا

فطمع الملأ من قريش أن يسلم بنو هاشم محمدا ﷺ، فأتوا بالصحيفة معجبين بها، لا يشكون أن رسول الله ﷺ سيُدفع إليهم، فوضعوها بين أيديهم، وقال قائلهم: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم.

أَخْبَرَنِي ولم يَكْذبني

فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخي أَخْبَرَنِي، ولم يكذبني أن الله بريء من هذه الصحيفة، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك غدركم، وقضيتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال، فأفيقوا، فوالله لا نسلمه أبدا، حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قاله باطلا رفعناه إليكم، فقتلتموه أو استحييتم.

قالوا: رضينا بالذي تقول. وكأنهم فهموا أن النتيجة أن يسلمهم لوثوقهم من صحيفتهم. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أُخْبر خَبَرها. فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم. وتمادوا في كفرهم وعنادهم وأصبحوا أشد قسوة وحقدا على النبي.

فقال أبو طالب إن أولى بالكذب والسحر غيرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم، طمس الله ما كان فيها من اسمه، وما كان من بغي تَرَكَتْه أَفَنَحْنُ السحرة أم أنتم؟

جهالة أبي جهل

فقال أبو البختري بن هشام والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو والصحيفة عنده: نحن بُرَآءُ من هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر دبر بليل وتُشُوور فيه في غير هذا المكان.

فمزق المطعم بن عدي الصحيفة وذهب إلى داره فلبس السلاح وانطلق معه زمعة بن الأسود وأبو البختري وآخرون إلى شعب أبي طالب كي يخرجوا من فيه.

وبذلك أتيح لمحمد وأصحابه أن يعودوا من الشعب إلى مكة، وأن يبيعوا قريشا ويبتاعوا منها، وإن بقيت صلات الفريقين كما كانت، وبقي كل منهم متحفزا ليوم يستعلي فيه على صاحبه.


مراجع للاستزادة

محمد أبو زهرة، خاتم النبيين

عبد العزيز الشناوي، مواقف في حياة العشرة المبشرين بالجنة

محمد حسين هيكل، حياة محمد