Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

مواقف رجال في يوم ذِي قَار

الأستاذ/ عبد الستار أحمد فراج (*)

          لا يخلو تاريخ العرب من مواقف رائعة على مستوى الجماعات، حيث يحن الدم إلى الدم، ويتناسى القوم الحزازات أمام العدو المشترك. وبين هذه المواقف العامة تتجلى مواقف رجال، في لحظات المحنة والشدة، يكون لهم في النصر أوفى نصيب، إذ يقفون كالطود الراسخ، لا تزعزعهم القوة الجامحة، ذلك أنهم وطنوا أنفسهم على التضحية بها رخيصة في سبيل النصر الغالي. وليس لهم من وقفتهم إرادة حازمة، تفيض على الجموع حولها، فتكسبها ثباتًا ومشاركة، فيتحقق لهم ما أرادوا، بصدق إخلاصهم وحسن نواياهم.

غرة أيام العرب:

          وغرة أيام العرب في جاهليتهم هي موقعة ذي قار. وسبب هذه الموقعة، التي انتهت بالانتصار الساحق للعرب على جيوش كسرى يرجع إلى أن النعمان بن المنذر كان يتولى مُلك العرب بالحيرة، من قبل كسرى ملك الفرس.

          ووقعت عداوة بين النعمان وبين عدي بن زيد العبادي، الذي كان أحد التراجمة لكسرى. وتمكن النعمان من قتل عدي بن زيد، ثم أرسل إلى كسرى يعتذر له عما فعل بعدي، وبين الأسباب التي دعته إلى قتله. وكان ابنه زيد بن عدي، وأخو عدي، عند كسرى، فلما جاء كتاب النعمان بالاعتذار حَرفا ترجمته، وذكرا من الكلام ما أغضب كسرى، فأمر باستدعاء النعمان، وأضمر أن يقتله، وأحس النعمان بالشر، وأنه لا شك مقتول، فأودع لدى هانئ الشيباني أمواله وسلاحه. ثم توجه إلى مدائن كسرى لعله يستطيع أن يجد لنفسه مخلصًا مما وقع فيه من غضب الملك. لكن كسرى لم يمهله، وأمر بقتله.

كسرى يسأل عن تركة النعمان:

          وولى كسرى بعده إياس بن قبيصة، ثم بعث إلى إياس يسأله عن تركة النعمان أين هي؟ فكان جوابه له أنه خزنها في قبيلة بكر بن وائل التي منها بنو شيبان. وأرسل كسرى إلى هانئ الشيباني يطالبه بوديعة النعمان. وقال له مع رسوله: إن النعمان كان عاملي، فابعث إلي بوديعته، وإلا بعثت إليك بجنود تقتل المقاتلة، وتسبي الذرية.

لن يسلم الحر أمانته:

فكان جواب هانئ للرسول: أن يكن الأمر كما قيل فأنا أحد رجلين، إما رجل استودعه غيره أمانة فهو جدير أن يرد الأمانة على من استودعه إياها، ولن يسلم الحر أمانته. وإما أن أكون رجلًا مكذوبًا عليه، وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو يكذب عليه ليوقعه في البلاء.

          ووصلت رسالة هانئ، إلى كسرى، فغضب أشد الغضب، وأظهر أنه سيستأصل قبيلة بكر بن وائل، وانتهز الفرصة أحد خصومهم ممن يحب هلاكهم، فأشار على كسرى أن ينتظر حتى تأتي شهور القيظ والحر، فإن قبيلة بكر إذا جاء القيظ تحضر إلى ماء لها يقال له "ذي قار" وتتساقط عليه تساقط الفراش في النار. وإن أعداهم في ذلك الوقت من حولهم كثيرون، فحينئذ تأمر فيهم بما تشاء، وتصل منهم إلى ما تريد.

كسرى يخيرهم بين ثلاث:

          وجاءت أشهر القيظ وتوجهت بكر بن وائل إلى ذي قار. فأرسل إليهم كسرى رسولًا يخيرهم بين ثلاث خصال: إما أن يستسلموا للملك فيحكم فيهم الملك بما شاء. وإما أن ينصرفوا من أماكنهم وأوطانهم بذي قار. وإما أن يأذنوا بالحرب.

          وجاءهم رسول كسرى، وهو من ألد أعدائهم، وقال لهم: "أنا رسول الملك، أخيركم في إحدى ثلاث خصال، إما كذا وإما كذا وإما كذا" على ما سبق من الاستسلام أو التشريد أو الحرب.

استشارة القبيلة:

          ورأى هانئ الشيباني ما لم يكن يتوقع في مثل هذا الوقت، ولم يكن يريد أن يفصل في أمر له ما بعده، فبعث إلى قومه يستشيرهم فيما جاء به رسول كسرى؟

وتشاور القوم فيما بينهم، ثم اختاروا الحرب، ونظروا فيمن يتولى قيادة الجيش. ويكون صاحب الأمر والنهي فيهم، وأخيرًا أجمعوا أمرهم على أن يولوا حنظلة بن ثعلبة بن سيار. وكانوا يتيمنون به في حروبهم وفي كل ما ينوبهم من الحوادث. وطلبوا منه الرأي في موقفهم وفيما اختاروا من الحرب، فقال لهم: "إني لا أرى إلا القتال، فلأن يموت الرجل كريمًا خيرًا له من أن يحيا مذموما، لأنكم إن سلمتم أمركم لكسرى وتركتموه يختار فيكم رأيه قتلكم وسبى ذراريكم. وإن هربتم منه وتركتم مكانكم الذي أنتم فيه قتلكم العطش وتلقاكم أعداؤكم من العرب فأهلكوكم. فليس لكم إلا أن تؤذنوا الملك كسرى بالحرب.

وكان الرسول ينتظر الجواب. وإذا برسول بكر بن وائل يعود إليه قائلًا: قل لملكك إننا قد آذناه بالحرب.

كسرى يجيش الجيوش:

          وعجب كسرى من رد أولئك القوم الذين اقتربوا من ذي قار في أشد القيظ. فأرسل كسرى إلى إياس بن قبيصة وأمره أن يخرج بجيوشه، كما أرسل إلى أحد قواده واسمه "الهامرز" أن يتجه بمن معه من أجناد، وبعث إلى قائد آخر "خنابزين" أن يذهب بمن يتولى قيادتهم من الجنود كما بعث كسرى إلى قيس بن مسعود، وكان من عمال كسرى على "طف سفوان" وأمره أن يذهب بجنوده إلى حيث يعسكر إياس بن قبيصة الطائي. وأقبلت جنود كسرى من كل فج. وأحاطوا بقبيلة بكر بن وائل، لينفذوا فيهم ما يريد بهم كسرى ملك الفرس.

عربي يحن لقومه:

ولم تطب نفس قيس بن مسعود أن يرى بني جنسه العرب يذهبون ضحايا التكتل والطغيان. فانسل في الليل، إلى هانئ الشيباني، ولما اجتمع به قال له: إن سلاح النعمان بن المنذر معك، فأعطه قومك، ليقوا أنفسهم، ويقاتلوا به، فإن هلكوا كان تبعً لنفسهم، وكنت قد أخذت بالأمر الحازم، وإن انتصر قومك ردوا السلاح إليك. فعرف هانئ أن الرأي هو ما قاله. ففرق السلاح والدروع عليهم.

وأسرى يعاهدون على المساعدة:

لقد كان في قبيلة بكر أسرى من تميم، يقرب عددهم من مائتي أسير، وفيهم رجل من بني رباح من تميم يقال له جزء بن سعد، فقال لبني بكر: خلونا نقاتل معكم، فإننا بذلك ندافع عن أنفسنا. فقالوا له: إننا نخاف أن لا تكونوا مخلصين معنا في القتال، فعاهدوهم على الإخلاص، وأنهم لن يهربوا، حتى بعد انتهاء القتال، بل يرجعون ويسلمون أنفسهم، فأطلقوهم، فكانوا لهم عونًا كبيرًا، وصدقوا في عهدهم وموقفهم.

رهبة الموقف قد تفت في العضد:

          ولما أقبلت جموع كسرى لا تحصى كثرة، ورآهم هانئ الشيباني دب في قلبه الاشفاق على قومه أن يعمهم الهلاك، فقال لهم: يا قوم، إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب، فمن استطاع منكم النجاة فلينج بنفسه. ووجدت هذه الدعوة استجابة من ضعيفي العزائم، فاتجهوا يريدون الانطلاق في كل اتجاه.

زعيم حقا:

          وفي مثل هذه المواقف الخطيرة تتجلى الزعامة الحقة، وتتولى القيادة عن جدارة، وتقود إلى النصر العظيم، ذلك أن حنظلة السيار، وثب فقال لهانئ الشيباني: إنك أردت بمشورتك هذه نجاتنا، لكنك في الحقيقة لم تزد الأمر إلا سوءًا، فإننا لو اتبعنا رأيك في النجاة بأنفسنا ألقينا أنفسنا في التهلكة بتفرقنا، وسيتخطفنا أعداؤنا من كل مكان ونحن لا نملك قوة التجمع ولا قوة الصبر على اللقاء. ولم يكتف حنظلة السيار بهذا القول بل إنه اتجه إلى النياق التي تحمل النساء في الهوادج، فقطع الاحزمة، لكي لا تستقر الهوادج على ظهور الإبل إن أراد أحد الهرب بمن معه من النساء، وحينئذ اضطر كل رجل أن يقف ليدافع عن حريمه، وبدأ حنظلة  بقطع حزام هودج ابنته "مارية".

لا يفر حتى تفر القبة:

          ثم زاد حنظلة الموقف حماسة وشجاعة، إذ أنه ضرب قبة على نفسه ببطحاء ذي قار، وأقسم أن لا يفر حتى تفر القبَّة، فلما رأى الناس ذلك التفوا حوله وكلهم عزائم لا تخشى البأس، ولا ترى في الموت مخافة.

الإعداد للموقعة:

          إن أقسى ما يلاقيه الإنسان في الصحراء هو العطش، ولهذا فإن حنظلة قال لقومه: عليكم بالتزود من الماء، بحيث يكون ما معكم يكفي لعدة أيام. ففعلوا ما قال، فكان ذلك مما ساعد على ثباتهم، ووقوفهم في وجه أعدائهم الذين لم يعملوا للماء حسابًا، ظنا منهم أن العرب الذين يقاتلونهم من القلة والضعف بحيث يفرون عند أول لقاء.

بشائر النصر:

          وكانت في صف جيوش كسرى قبيلة إياد، مع إياس بن قبيصة، فأرسلوا رسولًا إلى بكر سرًا يقولون لهم: أي الأمرين أحب إليكم، أن نترك الفرس ومن معهم ونتسلل بالليل ولا نحارب معهم، أو أن نبقى معهم حتى إذا التقى الجمعان أظهرنا الهزيمة والفرار؟ فكان جواب بني بكر لهم أن يبقوا، حتى إذا تلاقوا انهزموا، ليكون ذلك أدعى لإضعاف جيوش كسرى.

وكمين أيضًا:

          ومن قبيلة السكون كان يزيد بن حمار السكوني حليفًا لبني شيبان، من بكر بن وائل، فقال لهم: أطيعوني وضعوا كمينًا لجيوش الأعداء يفاجئهم على حين غرة. فوافقوه على ذلك، وجعلوه هو على رأس هذا الكمين، ونفذ الأمر، وكمن في مكان من "ذي قار" صار فيما بعد يسمى "الخبيء".

أناشيد الحرب:

          وجعلت النساء تحرض رجالها على القتال، برجز يثير الهمم، كما أخذ الرجال يرتجزون بما يلهب المشاعر، قال حنظلة بن ثعلبة:

يا قوم طيبوا بالقتال نفسًا ... أجدر يوم أن تفلوا الفرسا

وكان مما قاله حنظلة أيضًا:

إن المنايا ليس منها بد .... نفسي فدتكم وأبى والجد

          أما ابن حنظلة بن ثعلبة بن سيار، واسمه يزيد بن حنظلة فقد قال:

من فر منكم فر عن حريمه ... وجاره وفر عن نديمه

          وحميت العزائم، وصار كل فرد يتمنى اللقاء ولا يهاب الموت، وبخاصة بعد أن قطع حنظلة بن ثعلبة بن سيار أحزمة الهوادج، وبدأ بابنته "مارية" وهي أم عشرة نفر فقطع حزام هودجها فنزلت على الأرض. حينئذ قطع سبعمائة رجل من بني شيبان أكمامهم من ناحية مناكبهم لتخف أيديهم لضرب السيوف.

أول النصر:

          وبرز قائد من قادة الفرس، كان معجبًا بنفسه وبفروسيته، واسمه "الهامرز" ونادى بالفارسية قائلًا: "مَرْد مَرْد" يريد أن يقول رَجُل لرجل. فقال أحد الفرسان: ما يقول هذا الرجل؟ قالوا: إنه يدعو إلى البراز، رجل ورجل، فقال الفارس: أقسم أنه لقد أنصف، وأنا لذي سأبارزه، وحمل عليه وجال معه جولة، ثم أسفرت المعركة عن انتصار الفارس الفارس وقتله للهامرز.

الاشتباك:

          والتحم الجيشان، وكان جيش كسرى يرمي بالنشاب على بعد، فنادى حنظلة بن ثعلبة وهو زعيم القوم: يا قوم لا تقفوا لهم فيصيبكم نشابهم، ولكن التحموا بهم. وحمل بميسرته على ميمنة الجيش الفارسي. وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر على ميسرة الجيش الذي كان يقوده "خنابزين" وخرج عليهم الكمين من الخبيء من وراء الفرس، فهجموا على قلب الجيش. ونفذت قبيلة إياد ما وعدت به، فولت مظهرة الهزيمة في وقت الظهيرة، في يوم قائظ شديد حره. فكان لكل هذا أثره في ضعضعة جيوش كسرى، وإلقاء الذعر في نفوسهم، على رغم كثرتهم وما عليهم من عدد وسلاح.

محمد يا منصور:

          ولم تنس قبيلة بكر بن وائل، أن تتفق على شعار تنادي به، حتى يدوي في أرجاء "ذي قار" وليعرف كل أمرئ من هذا النداء أنه من قبيله وليس من عدوه. وكانت دعوة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام قد ظهرت في جزيرة العرب. وانتصاراته قد تسامعت بها القبائل. فألهم الله قبيلة بكر بن وائل أن تجعل شعارها في موقعتها في "ذي قار" أن يقول كل فرد وهو يضرب في الأعداء "يا محمد يا منصور" ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "في ذلك اليوم انتصفت العرب من العجم وبي نصروا".

النصر الساحق:

          وانجلى الموقف عن النصر الساحق للعرب، والهزيمة الماحقة للفرس، فلا عجب أن يتغنى الشعراء بهذه اليوم وأن يعد من المفاخر في التاريخ.

(*) منقول بتصرف من مجلة العربي، العدد رقم 170، الكويت، يناير 1973م.