Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

محاولات فتح القسطنطينية في العصر الأموي

" لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش".

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

أسس الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير مدينة القسطنطينية؛ لتكون عاصمة له في عام 330م على أنقاض قرية قديمة تدعى بيزنطة، وقد اختير موقعها الحصين بعناية شديدة، ويكفي لتدرك ذلك أن تلقي نظرة سريعة على الخريطة، فالقسطنطينية تحيط بها المياه من ثلاث جهات، وتقع عند ملتقى قارتي أوربا وأسيا في منطقة مرتفعة أشبه بالمثلث رأسه قبالة الشاطئ الآسيوي وضلعاه متساويان يمتد أحدهما شمالاً حيث القرن الذهبي أوسع ميناء في العالم حينذاك، والآخر جنوباً حيث بحر مرمرة، وقاعدته مفتوحة براً تجاه أوربا. ودُعِّم هذا الموقع الطبيعي المتميز بأسوار وتحصينات وأبراج أقيمت عليها عبر العصور، فصارت مدينة القسطنطينية من أمنع مدن العالم الوسيط، ومن ثم أصبحت مركز الثقل للإمبراطورية البيزنطية في جميع مناحي حياتها، ووقفت صامدة أمام جميع محاولات الفتح الإسلامي لها.

ظلت نفوس الخلفاء والقادة المسلمون تتوق إلى فتح هذه المدينة، لاسيما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تنبأ بفتحها، فقال:" لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، ولذلك لا غرابة أن يتنافس الخلفاء والقادة المسلمون على أن يكونوا هم مناط هذه الخيريه، وأن يحث بعضهم بعضا كي يدركوا هذا الفضل، فها هو عبد الله بن بسر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بأذن بشر بن عبد الله، ويقول له: " إن أدركت فتح القسطنطينية فلا تدع أن تأخذ بحظك منها".

يضاف إلى بشرى رسول الله بفتح القسطنطينية أسباب أخرى سياسية وعسكرية وأمنية دفعت المسلمين إلى السيطرة عليها؛ ولذا جرت محاولات عديدة من أجل ضم هذه المدينة إلى حظيرة الدولة الإسلامية كانت بواكيرها في العصر الأموي، بداية عصر المجد الحربي للبحرية الإسلامية التي كان أحرص الناس على تأسيسها معاوية بن أبي سفيان، صاحب الفضل في المبادرة الأولى في إرسال أول جيش وصلت طلائعه إلى القسطنطينية، وقد بذلت ثلاث محاولات لفتح القسطنطينية منذ عصر الدولة الأموية حتى سقطت في أيدي القائد الفاتح محمد الثاني العثماني في عام 1453م.

 

المحاولة الأولى (49-50 ه /669-670 م).

كانت المحاولة الأولى لفتح القسطنطينية في عهد معاوية بن أبي سفيان، وقد أسند قيادها إلى فضالة بن عبيد الأنصارى، ثم أرسل معاوية بعد ذلك مددا جعل ابنه يزيد قائدا عليه ليعطيه فرصة يعلي فيها من اسمه في ميدان الجهاد ضد الروم. وشارك في جيش يزيد عدد من كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مثل: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وقد أوغلت هذه القوات في بلاد الروم، حتى وصلوا إلى القسطنطينية، واشتبكوا مع البيزنطيين في قتال عنيف، وتفانى المسلمون في القتال، وأحكموا الحصار على القسطنطينية، وأجهدوا قوات العدو اجهادا كبيرا. وقد استشهد أثناء هذا الحصار الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري الذي آوى الرسول في منزله عندما هاجر إلى المدينة، ودفن تحت أسوار القسطنطينية، وظل قبره يلهب حماس المسلمين، ويحضهم على فتح هذه المدينة الحصينة.

ويلاحظ على هذه الحملة أنها عادت دون أن تحقق هدفها، لكنها نجحت في صرف همة البيزنطيين عن مناوشة المسلمين وقصرت تركيزهم على الدفاع عما بحوزتهم من بلاد. وفاز هذا الجيش بفضيلة السبق لغزو هذه المدينة حيث الوعد النبوي بالمغفرة لأول جيش من المسلمين يغزو هذه المدينة.

المحاولة الثانية (54-60ه / 673-679م)   

كانت هذه المحاولة أيضا في عهد معاوية بن أبي سفيان، وقد عرفت بحصار السنوات السبع، لأن المسلمين ظلوا محاصرين لهذه المدينة حوالي سبع سنوات، واقتصرت العمليات الحربية خلالها على فترتي: الربيع والصيف؛ لصعوبة القتال في فصل الشتاء، وقد ذاق البيزنطيون مرارة الحصار، وتاقوا إلى عقد الهدنة لرفع حصار المسلمين عن مدينتهم بعد أن تعرضت للحصار في هذه السنوات مرات عديدة لكن ذلك لم يؤد إلى نتائج حاسمة.

ويرجع فشل المسلمون في تحقيق هدفهم في هذه المحاولة رغم طول مداها الزمني إلى قوة تحصين المدينة، وانقطاع الحصار في فصول الشتاء، وطبيعة التيارات المائية في سواحلها المحيطة بها، والنار الإغريقية، وهو عبارة عن مركب كيميائي مكون من النفط والكبريت والقار يشعل بالنار، وتقذف به المركب، فيشعل فيها النار، ولا يطفئ إلا بالخل والرمل. وبواسطة هذ السلاح أحرق الروم البيزنطيون كثيرا من سفن الأسطول الإسلامي، وقد تسببت النار الإغريقية في إثارة المسلمين بالهلع والذعر، وظلت عائقا أمام تحقيق المسلمين لهدفهم.

أيقن معاوية استحالة الاستمرار في حصار القسطنطينية بسبب استخدام هذا السلاح الفاتك، واستنزاف الحصار لقوى جيشه فرأى ضرورة عودته بعد أن عقد مع الإمبرطور البيزنطي قسطنطين الرابع إمبراطور الدولة البيزنطية معاهدة صلح مدتها ثلاثين عاما. وكان آخر ما وصى به معاوية قبل موته: " أن شدوا خناق الروم فإنكم تضبطون بذلك غيرهم من الأمم ".

المحاولة الثالثة (98-99ه / 717 – 718م).

عاد جيش المسلمين الذي كان يحاصر القسطنطينية سنة 60 ه، ولم يلبث أن توفي معاوية، فدخلت الدولة الأموية في دوامة الفتن ولم تستقر إلا في عهد عبد الملك بن مروان (65-86ه) الذي قطع ذيل الفتنة وورث ابنه الوليد (86 – 96 ه) ملكا مستقر الأركان.

ورغم الظروف التي مرت بها الدولة الإسلامية لم تفارق فكرة فتح القسطنطينية خيال خلفاء بني مروان الأمويين ولكن وضعها موضع التنفيذ كان في حاجة إلى دراسة وافية، وإعدادات مسبقة، واستعدادات كاملة فقام بذلك كله الوليد بن عبد الملك وأعد حملة برية بحرية لحصار القسطنطينية في عام 95ه.

 وعندما وصلت أنباء هذه الاستعدادات إلى الإمبراطور البيزنطي اناستاسيوس الثاني حاول أن يتأكد من الأخبار التي وصلته، فأرسل سفارة إلى دمشق جعل على رأسها سينوب بطريق مدينة سينوب ليحقق هدفين أحدهما ظاهر وهو اقتراح عقد معاهدة سلام مع الخليفة الوليد، والثاني خفي وهو استطلاع استعدادات المسلمين لحصار القسطنطينية، فأكدت السفارة صدق الأخبار التي وصلت العاصمة البيزنطية.

 شرع الإمبراطور على الفور في اتخاذ الاستعدادات اللازمة للدفاع عن مدينته ومواجهة الحصار؛ إذ أمر بتدعيم وسائل الدفاع عن أسوار المدينة برًا وبحرًا، وبناء أسطول كبير، ليكون قادرا على التصدي للحصار الإسلامي، كما أصدر أوامره إلى كل فرد في المدينة أن يخزن ما يكفيه لمدة ثلاث سنوات من المؤنة، وأكد على ضرورة ملأ الخزائن الإمبراطورية بالغلال وغيرها مما يحتاج إليه المدافعون.

لم يطل المقام لاناستاسيوس في الحكم طويلا حيث نشبت ثورة في القسطنطينية أطاحت به وأتت بالإمبراطور ثيودوسيوس الثالث. ثم ما لبث أن وافت المنية الخليفة الوليد بن عبد الملك فخلفه في الحكم أخوه الخليفة سليمان الذي سار على نفس الخطوات التي انتهجها الوليد من قبله خصوصا فيما يتعلق بإنفاذ حملة القسطنطينية. وقد مهد سليمان لذلك بغزوة بحرية بقيادة عمر بن هبيرة الفزاري على بلاد الروم سنة 97ه.

وفي العام التالي حشد سليمان قوات كثيفة برية وبحرية زودها بكميات هائلة من المؤن والأقوات والسلاح لحرب طويلة، بقيادة أخيه مسلمة، وأمره بأن يتوجه إلى القسطنطينية وأن يقيم عليها حتى يفتحتها أو يأتيه أمره. وعندما وصل مسلمة إلى مشارف القسطنطينية وجد أن الإمبراطور ثيودوسيوس قد أطيح به لصالح ليو الثالث الأيسوري في25 مارس 717 م / 98ه.

اقترب مسلمة من أسوار القسطنطينية في أواخر سنة 98ه على رأس جيش عدته ثمانين ألف مقاتل. وفرض عيها حصارا من البر والبحر، ونصب عليها المجانيق، ولكن أسوار المدينة المنيعة وقوة الدفاع البيزنطي وفعالية النار اليونانية ردت المسلمين عن اقتحامها مرة بعد مرة. وعلى الرغم من ذلك لم ييأس فشدد حصاره حول المدينة ونسف المزارع القريبة منها، ومنع الأقوات من التسرب داخلها.

وتشير الروايات البيزنطية إلى أن قطع الأسطول الإسلامي بلغت 1800 سفينة كبيرة نجحت في إغلاق الممرات المؤدية إلى البحر الأسود، ولكن عاصفة عاتية حطمت بعضه وسببت خللًا في مسيرته، فانتهز البيزنطيون هذه الفرصة وسلطوا نيرانهم اليونانية على سفنه فأحرقوا عددًا كبيرًا منها.

استمر المسلمون بالرغم من الظروف الصعبة التي واجهتهم في إحكام الحصار على القسطنطينية طوال السنة إلى أن توفى سليمان بن عبد الملك في 10 صفر سنة 99ه، وحل الشتاء ببرده القارس، فهلك عدد كبير من الجنود، ونفقت معظم خيولهم ودوابهم، وقلت الأقوات، كما توفي قائد الأسطول فسببت وفاته اضطرابًا في صفوف البحارة، وحل الضيق والقحط بمعسكر المسلمين حتى أكل الجند الدواب والجلود وأوراق الشجر. وظل الأمر كذلك إلى أن كتب الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالعودة بمن معه من المسلمين.

ويعتبر فشل المسلمين في الاستيلاء على القسطنطينية للمرة الثالثة حدثًا من أهم أحداث تاريخ العصور الوسطى، إذ كتب للإمبراطورية البيزنطية البقاء بخروجها ظافرة من محنة الحصار، وظلت تحتفظ بهيبتها أمام دول الغرب الأوروبي فترة طويلة حتى سقطت على أيدي محمد الفاتح في عام 1453م.

مراجع للاستزادة.

  • أحمد مختار العبادي والسيد عبد العزيز سالم، تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام، بيروت، 1972م.
  • سليمان بن عبد الله السويكت، الحملة الأخيرة على القسطنطينية في العصر الموي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد 112، 2004.
  • ليلي عبد الجواد، دور البلغار في مواجهة حملة مسلمة بن عبد الملك على القسطنطينية (98-100ه / 717-718م). المؤرخ المصري، العدد 6، 1991.
  • السيد محمد يونس، محاولات فتح القسطنطينية في العصر الأموي والعباسي وأثرها في نشر الإسلام. مجلة كلية اللغة العربية بالمنصورة، 1993.