Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

الحسبة في عهد الرسول ﷺ

تُعد الحسبة نظاما فريدًا مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ولم يكن حينها إلا أعمال الحسبة ومظاهرها، ولم تعرف هذه الوظيفة الإدارية في لقبها الاصطلاحي ولقب القائم عليها "المحتسب" إلا في العصور اللاحقة لعصر النبوة.

تعريف الحسبة:

الحِسْبة هي إحدى الوظائف الإدارية التي وجدت في العالم الإسلامي، وقد أطلق على القائم بشئون الحسبة في المشرق اسم "المحتسب" أما في المغرب فأطلق عليه اسم "صاحب السوق".

وتعرف الحسبة على أنها: "الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، والإصلاح بين الناس"، انطلاقًا من قوله الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:104].

وقد كانت الدولة عن طريق المحتسب تراقب أنشطة الأفراد في مجال الأخلاق والدين، والاقتصاد، تحقيقًا للعدل والفضيلة، وفقًا للمبادئ المقررة في الشرع الإسلامي، وللأعراف المألوفة في كل بيئة وزمن.

الحسبة في عهد الرسول ﷺ:

وقد اُستلهم نظام الحسبة وأصوله من سنة النبي ﷺ، ومن مواقفه الخاصة في الأسواق، وممارسته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن أمثلة تأصيل الرسول لنظام الحسبة:

- في البيع والشراء بالأسواق:

عندما قام الرسول صلى الله عليه وسلم بفحص جزء من بضاعة تاجر في السوق، فوجدها غير صالحة، ولا تطابق شروط البيع الصحيح، فدعى صاحب البضاعة إلى عرضها على الملأ كيما يشتروا شيئا يستطيعون رؤيته وفحصه قبل شرائه؛ عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على صُبرة من طعام (اشتريت صبرة أي بلا وزن ولا كيل) فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: يا صاحب الطعام ما هذا؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟. ثم قال: "من غش فليس منا". فهذا – ولا شك- نهي من الرسول صلى الله عليه وسلم عن منكر هو غش الناس في طعامهم، وهو احتساب ظاهر، ومراقبة منه لما يقع في الأسواق من غش وتغرير.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التطفيف والنقص بالموازين والمكاييل، ونهى عن الربا والميسر. فعن ابن عمر قال: أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام، وفيه أيضا عن سالم عن أبيه: رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة (بيع الشيء بغير كيل ولا وزن ولا عدد) يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه، حتى يذهبوا به إلى رحالهم.

- مراقب السوق:

أناط الرسول صلى الله عليه وسلم بأعلام الصحابة مهمة الرقابة، فاستعمل سعيد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة.

- محاسبة ﷺعماله:

كما كان الرسول صلى الله الله عليه وسلم يحاسب عماله على ما أخذوه من مال المسلمين بغير حق، فكان يحاسبهم على المستخرج والمصروف، فيروي أبي حميد الساعدي: قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه. قال: هذا مالكم وهذا هدية. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني".

-إعطاء الطريق حقه:

وقال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟. قال: غض البصر ، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وهذا أيضا – ولا شك- نهي عن منكر وهو ما يحدث في الطريق.

وبهذا التوجيه النبوي ابتدأت الحسبة في المجتمع الإسلامي الأول ويرجع هذا الاهتمام من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه كان يومئذ في مرحلة تأسيسية يرسخ فيها أن رسالته غير محصورة على الشعائر التعبدية وحدها، وأن هذا الدين الذي بعثه الله للناس كافة، قيم على كل شؤون الدين والدنيا، ولذلك بين الرسول صلى الله عليه وسلم مهمات الحسبة قولا وفعلاً.


مراجع للاستزادة:

الكتاني، نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية، ج1، دار الأرقم بن أبي الأرقم، لبنان.

إدريس محمد عثمان، الحسبة في النظام الإسلامي: أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية، رسالة ماجستير.

سهام مصطفى أبو زيد، الحسبة في مصر الإسلامية، القاهرة، 1986م.